ولا تموتى
مأمون كامل
وعيزانى أقول يا آمه
كما قبلى كتير ساءوا لكلمة يامه قالوها لك
وأنده من ورا قلبى وأقول يا حبيتى يا بلدى
وأحبك ليه
حبيبتى .. يعنى ساندانى
ولو ف الشدة سترانى
وأنا دمى اللى رخصته كتير علشان م يحميكى
رخص بيكى
صبح يتباع هنا وهناك كده ف النور وف الضلمه
عشان لقمه
وعيزانى أقول يامه
دروب الرزق مفتوحة وبحبوحة على الواسع
ورب الرزق
ما فرق ما بين عاصى وبين طايع
وقال اسعى
وأنا اللى سعيت
لغاية السعى ما استكفى
بقيت ماشى ف وسط الناس لا أنا شايف وباتكفى
بإيد ممدودة بشهادة عليها الختم والجودة
وإيد تانيه
بتتشمر وبتدور على رغيفها
ألاقيكى تحطى شروط
لا عاجبك ربنا يرحم
ولا عارفه طريق رحمه
وعيزانى أقول يامه
وأمى اللى بتتعبلى وتشقى كتير عشان أرتاح
ولو نبعد ، تعيش شوقنا
ولو ننزل ف بحر الكون تكون مجدافنا وشراعنا
وتحكم
فى ميزان قوتنا
بإيدها اللى ما تعرف ميل
ولا تخلى كبير فينا ولا صغير
يقول إزاى ولا اشمعنا
وأنا اللى عشت أحب الناس
كما كنتى توصينى
وقلت ألم وأجمع
ألاقيكى تقولى إرجع
بقيتى تخافى م اللمة
وعيزانى أقول يامه
نسيتى يوم ما قولتيلى ولا تخللى خضار عطشان
عشان خاطرك
رويت وردك وعليقك
لا قلت الورد كان أولى
ولا العليق مالوش لازمه
وآخرتها
بتسقينى جحود قلبك
دا أنا إبنك
أنا الشقيان
وعايش عمرى بأتمنى وبأستنى الفرج بكره
لا طول صبرى
ولا الحرمان بيشفعلى
ولا بكره سامعله آدان
يزيل الهم والغمه
وعيزانى أقول يامه
نسيتى إن أنتى قولتى زمان
ولا بيخاف من الكيال غير اللى كيله كان ناقص
أشوفك فى العيون ناقصه
يعز عليا نقصانك
وبتخافى لأيد على إيد تزود حرقة القرصة
دى قرصة جوع
بتقرص حتى فى الممنوع
تخلى العقل
ينسى الكل وكليله
ح يعمل إيه .. معاكى احتاس
لا عارف صبحه من ليله ولا شايفله فيكى خلاص
خلاص البطن بين قلبى وبين قلبك صبح مقطوع
وأنا اللى عشت ع الإخلاص
كما إنتى فطمتينى
وإنتى اللى نسيتينى
ماعاد همك غير إن عمرى ليكى يطول
وأفضل لابس العمة
وعيزانى أقول يامه
وحلةة انتى
وعشاقك كتير يتعدوا بالملايين
وانا عاشق
ترابك سر تكوينى
وزرعلك بهجة ف عيونى
ونيلك زاد شرايينى
وأنا عاشق
لبسمة نسمة صباحى بتحييكى وتحيينى
وهمسة ناعسة نعسانة تصحيينى
عيونها تقوللى يا راجلى
تعالى ارتاح فى بستانى
وشمسك هيَّ ضلتنا
وليلك نجمه سكتنا
بيهديها ويهدينى
وأنا عاشق
لكن يا عشق مش ناسى
ومين يقدر ينسينى هوان هجرك ونكرانك
وكنّة ايدى بالحسرة
وأنا اللى اديتك امبارح
وعايش يومى على شانك
وشايل لك أمل بكرة
وتدينى ما تدينى
ما بهتمش
وأنا اللى صبرت على جرحك ولميته
وجرحى لسه ما اتلمش
وطول عمرك كلامك فى رقبتى دين
وأنا سداد
تقوليلى تلف سنين ولا تخطى
أقول آمين
تقوللى خلى جوز أمك مكان عمك
أقول آمين
تقوللى طيع كبيرك يا بنى عميانى
أقول آمين
وأخرتها
وبعد العشق دا كله
فتحتى لغيرى أحضانك ، ويتمتينى ليه يامـه
نسيتى يوم ما كنا زمان أنا وانتى
بندفن سرنا وف بير
وكان كل اللى يتحداق ويتشادق
نسيبوه يقول
ونتغابى
ونقول فول
وكان بيصدق الغلبان
لكنه كان فى لحظة يلاقى مفسه مفيش
كأنه ما كان
نسيتى يوم ما قولتلى
أقوم وأرفع جيبنى لفوق لفوق
وصدقتك
وقلت خلاص ح ينسانى الضياع والظلم
وقوللتى يا مين ح يلحقنى ف سكة عيونى شيفاها وكانت حلم
أفوق
ألقى المصيبة فوق
وألاقى تحت متغيب
وحتى ف يوم ما كنتى زمان ما بين الأمهات الأم
وكل الناس تقول عنك
دا انتى اللى ومالك زى
وكان نفسى أصدقهم وتحمينى
ألاقينى
فى ليلة ويوم لا أنا اللى مات ولا اللى حـى
وألاقيكى
فتحتى ودانك الطاهرة
لمين قالوا
ومين زادوا
ومين صنف ف أولادك
ما بين آمنوا وبين حادوا
نستى طيب العشرة
وتاهت ريحة امبارح
وضاع من سكتى بكرة
وتاه الحلم ف الزحمة
وعيزانى أقول يا مـه
وعيزانى
وعيزانى
وعيزانى
ولا مرة سألتى إنت عايز أيه
تعالى نحط ما بينا حكم يعرف كتاب ربك
وهو يقولى ويقولك
تعالى نحط ما بينا حكم ولو كافر
ومش معقول على كفره كده بالظلم ح يجاهر
أنا عايز
وتفرق إيه ما بين عوزى وبين عوزك
أنا إنتى
أنا منك
وكل اللى أنا عايزه
أعيش وياكى يوم فى أمان
لغاية ما يحين موتى
ولاتموتى
ويبقى السطر ما بينا كتاب مفتوح
وأنا وإنتى
لا نرضى بظلم ولا عتمة
وساعتها
ح أقول يامه
هجس الوقت
مبروك أبو العلا
في منتصف الليل تقريباً
وأم البنت ترتجف بنجوى البنت التي ترقد في الفراش منذ وقت طويل بدون كلام !
في ذلك الوقت ؛ زحفت سحابة ترابية، ومن هنا وهناك برزت كائنات متناسخة في جلبة تعلو حول البيت ، بينما في الخلف وفي الأمام ، وفي الجوانب سحابة من الهوام والحشرات وفي وسط الجميع قردة تمضغ بقايا لحم طفل !!
أم البنت صرختْ :
ـ كيف نعيش ؟!
حاولت تهدئتها …؛ فحاولت أن تبتسم ابتسامة صافية ؛ فانفجرتْ فيها الدموع !! أخذتْ يدي في يدها ، وشعرت بضغطها على أصابعي قالت :
ـ هل سنترك هذا المكان ؟!
ـ أشعل النار وأعدُّ لكما الطعام بنفسي
هكذا قلت لها ـ ولكن ـ بدا عليَّ أني غير قادر على عمل أي شئ .. ارتعدتْ مفاصلي على هذيان البنت ؛ فوقع الخبز من يدي !!
صرخت البنت :
لقد أكلت كائنات المارد العُشب، وخشب الشجر، ثم انهم يأكلون لحم البشر في القرية !! هكذا قالت البنت ، وغابت تحت الغطاء ؛ فانفجرت امرأتي تنادي على البنت .. قالت البنت من تحت الغطاء:
ـ رأيت مخلوقات غريبة تأكل الأطفال خلف الجامع الكبير ، وشوارع القرية خالية إلا من أشباح مسخهم المارد إلى ضفادع تنق !!
مكثتُ على البنت ؛ أمسك برسغها ، أعد نبضات قلبها ، والأم تنحني تتحسس رجليها
هذيان البنت أحدث ضجة أيقظت دواخلنا، ولازالت تصرخ تظن أن هناك لص بالبيت!! انتفضت البنت ، وصرخت من النافذة ؛ تنادي على أسماء لم نعرفها !!
جذبتها إلىَّ ، واستغرقت الأم في إيقاظها وقتاً طويلاً ؛ فاستوت على صدري وقالت :
ـ هناك شبح دميم الوجه .. غريب الملامح ، يحاول تقييدي ، ويجذبني من خلف الباب إلى الخارج ، ويوجه لي الأسئلة العنيفة !!
فجأة ـ لمعت عينا البنت ، واندفعت إلى الخارج حتى وقفت في حضن شجرة النبق العتيقة أمام الجامع الكبير .
التف جمهور القرية حول البنت ، وكان أول القادمين صبي في العاشرة من العمر أكثرهم حماساً ، وأشدهم صوتاً ـ لكن ـ ما أن وقعت عيناه على كائن ممسوخ ؛ أصابت الصبي قوة تعثر خفية في قدميه فابطأ السير ، وأخذ يحملق مستنجداً !!
تساءل الحشد عن سبب هذا التعثر ؟!
أدركت البنت ما أصاب الولد ؛ فاقتربت منه ومسحت على رأسه ؛ ففاضت عينا الصبي ، وانفك من عقاله ، بينما كنت أقف حابس الأنفاس في ترقب مهيب إلى أن صدر صوت مثل الرعد منبعثاً من عمق الجامع الكبير، وهاجت ريح اخترقت جميع العفاريت ، وانطلقت عن البنت صيحة مجيدة تعلن عن وضع حجر الأساس لبناء القرية من جديد ، ونبش القبر للبحث عن رفات الجد القديم ……………… ،،،،
بنية الخطاب الشعري
بنية الوعي
قراءة في نماذج من شعر العامية في إقليم شرق الدلتا الثقافي
العربي عبد الوهاب
تعد علاقة النص الشعري بآليات الخطاب الأخرى ومواضعات الواقع من أشد العلاقات تأثيراً وتأثراً بين المبدع والمتلقي من جهة وبين المبدع والسلطة من جهة أخرى . منذ شكاوي المصري الفصيح ودور عبد الله النديم – شعرياً – في مؤازرة الثورة العرابية ، وصولاً إلى أزمة الشعر تجاه اتساق الذات مع نفسها إلى اتساقها مع ذلك الخطاب المفروض ، نرى ذلك جلياً عند فؤاد حداد في موال البرج وأحمد فؤاد نجم في مشروعه الشعري الذي يتجلى كمردود سياسي للذات الشعرية الطامحة –دوماً- إلى الحرية ، وصولاً إلى تلك النماذج المدروسة التي تتفاعل مع آليات ذلك الخطاب الإديولوجي عن قرب تارة كما نرى عند الشاعر مأمون كامل ونبيل مصيلحي وعلاء عيسى وتارة بدرجة أخرى أكثر تخفياً بالاتكاء على التشكيل الجمالي في إنتاج دلالات أوسع عند عزت إبراهيم ومن ثم كانت المرجعية الثقافية المشكلة للوعي من تراث مسموع أو مقروء ومن فولكلوريات وأمثال وحكايات … إلخ .. تقوم بدور هام في التعامل مع ذلك الطرح الشعري الذي يستمد ماهيات وجوده من خلال خلق علاقة ما مع المتلقي للمساهمة في خلخلة ذك الخطاب ، بالاعتماد على تفجير وتوظيف هذه المرجعية الثقافية التي نؤسس لها كمدخل أولي لاستقراء منابع الرؤيا في أشعارهم ثم تحليل وسائط المحتوى الجمالي للتوقف أمام طريقة الأداء الشعري التي أسست لإنتاج ذك الخطاب المتمرد على آليات الخطاب السياسي .
إن القراءة والدرس وكيفية التعامل مع منجزات القصيدة ، يظل هو المحك الأول لكشف عن خصوصية الصوت ، "مما يذكرنا القول بابن سلامة الجمحي صاحب هذه المقولة وصاحب الموقف المعرفي الداعي إلى استقلال شخصية الناقد بأدواته المعرفية وأحكامه الذوقية"(1) من هنا اعتمدنا على هذين الخطين ، المرجعية الثقافية والمحتوى الجمالي بعد بروز سطوة معظم النصوص ووحدة أثرها الفني وتوجهها نحو تحليل شفرة الخطاب المصدر إليها من الخارج / الواقع ، والذي انعكس بالتالي على شكل الوعي في المخيلة الشعرية .
وذك بالاحتماء بالذات من فيضان عصر العولمة في محاولة للنهوض "بالتراث الثقافي المصري الذي يؤلف متصلاً تاريخياً وعقلياً متماسكاً ومتكاملاً تدخل فيها عناصر فرعونية وقبطية وإسلامية وتكشف عن قدرتها على التطور والتشكل" (2) هذه الثقافة بكل أبعادها وتواترها وكثافتها تمثل مكنوناً ذاخراً لكافة الفنون وتحافظ تلك المرجعية على هويتنا الثقافية وتمهد لقراءة عوالم الشعراء الخمس مناط هذه الدراسة وهم :
- عزت إبراهيم ، في ديوان "الروح اللي طلعت النهاردة" (3)
- نبيل مصيلحي ، في ديوانه "جرح غاير في صباح القلب" (4)
- مأمون كامل ، في ديوانه "ترانيم على وتر الوجع الأزلي" (5)
- علاء عيسى ، في ديوانه "خيانة" (6)
- د. أيمن محمد جمال ، في ديوانه "مسافر في العيون السود" (7)
وهؤلاء الشعراء يعزفون على توتر اللحظة الراهنة - بدرجات متقاربة - ويجيدون فنية طرح تجاربهم حسب رؤاهم ونزوعهم الشعري . فثمة سمات مشتركة تجمع بين نصوصهم الشعرية مثل (عزلة الذات ، ثلجية العالم ، تفجير مكنونات الوعي ، الاحتماء بالتفاصيل الدافئة ، الخطاب الشعري المتفجع ، الغناء الأسيان كبديل للفقد) .
شعر العامية كمرجعية ثقافية :
إن الاحتماء بالذات يعد ملمحاً -راهناً- للمحافظة على الهوية ؛ فالإنسان في ظل حركة التهميش والتشيؤ يقف مقابل الآلة ومعطيات الخطاب المهيمن الذي رسب برودة شديدة ضربت بأواصر العلاقات الإنسانية ، فتجلت بالتالي على المستوى الشعري ، فالفنون كافة تحفل بكل ما هو إنساني وتستعيد ملامحه المطمورة وتعمل على تنشيط وعيه بخلق حوار فني وتوظيف وتطوير البقاع المضيئة في تلك المرجعية بغية الانعتاق من العزلة والتشظي وصولاً لحالة التمرد والغضب كما نرى عند نبيل مصيلحي ومأمون كامل الذي يقول :
(خارطة طريق ..
على خرطة جبنة ..
وحزمة فجل ..
تبقى النكهة لحمة عجل ..
وان كان نفسك تشرب مرقة ..
إقرا الورقة …. ) قصيدة خارطة طريق
ذلك المزج التهكمي بين المعطيات السياسية والوعي الشعبي ، يعري الخواء ، ويحفل بالتمرد ، حتى يصل إلى التصريح أحياناً عند نبيل مصيلحي في قصيدة "عوافين" .
(عوافين وعافية ..
ع اللي قال قبلي .. عواف ..
"لموا السلام / وكوموه تحت اللحاف / مدوا الغطا ..
على شان يساع كل العرب" ..
الأسئلة حبلت غضب ..
والأجوبة ..
مبقيتش طارحة في حجر يومنا ..
غير بأشجار السكات …)
يقيم الشاعر عبر عملية التناص مع الشاعر إبراهيم حامد - المنصص في المقطع السابق – حالة استنفار عصية على التحقق في حدود الذات الشاعرة بالعزلة والموات ، فيتمرد عليه بالسخرية تارة وبتحليله تارة أخرى ، فالصمت واللافعل تجاه تلك الحالة تستدعي الكتابة عن العولمة كما يقود طلعت الشايب "دهستنا خيول العولمة .. فالعولمة ليست في حاجة إلى عالم بلا حدود ، وبالأخص في مجال الثقافة ، فالحدود يمكن أن تبقى وتكون إلا أننا لا يمكن أن نكون مسيطرين تماماً على الأمر ، فالمعلومات تخترق الحواجز والقوانين" (8)
لم تتوقف القصيدة عند نبيل مصيلحي أمام ملمح التردي بل غاصت في أعماق الجرح وأنشدت بحدة .
( ولإن الطالع طالع مبينزلش ..
ولإن النازل نازل مبيطلعش ..
ولإن الحال الآن مبيتغيرش ..
فمتستناش الدور ..
وبلاش نتزنق في المنوع .. لنموت …) قصيدة الدنيا دواير مبتكملش
يصدر المقطع حالة البرودة المنبعثة من صراع المصالح وتراجع ما هو إنساني أمام ذلك الصراع . تلك الحالة ينزع فتيلها عزت إبراهيم بطرح "حبة حاجات مهمة" في مطلع ديوانه "الروح اللي طلعت النهارده" فيشكل عن الدفء حبة والفرح والحنان والأمان والحب حبات . ليست ميثالية أن تحتمي الذات من البرودة / القسوة المنبعثة من تفاصيل الحياة اليومية بكشف المطمور في النفس من إنسانيات ، وبخلق حالة صفاء تحفل بالحياة ، وبالتأني لالتقاط ما داسته الأقدام ، حتى لا يستحيل الفرد إلى مخلوق / مسخ .
وبدرجة أخرى نجد الذات عند علاء عيسى تشكل خطاباً مفعماً بالسخرية من نفس تلك البرودة ؛ يقدم للمواطن المصري إهداء ديوانه واصفاً إياه باستحقاق جائزة نوبل عن صبره الطويل ، ويوغل الشاعر في ملاحقة عوامل تهميشه بحس درامي ، وبلغة تعتمد على خلق صورة كلية عن علاقته بالمخاطب / أنت ، الذي هو تجلي آخر للذات .. يقول :
(واسرح في دوامة حياتك ..
إياك تفوق ..
وارفع دراعاتك لفوق ..
وادعي وقول .. أستر يا رب ..
إرفع يا مولانا الغضب ..
ونزل طعام للمحتاجين ..
نزل علاج للمحرومين ..
فك الحصار ع المسجونين ..
والمأسورين ..
بالمرة أكل شعبنا …) قصيدة جحا العربي
ثمة صيغة محملة ، وغنية بالسخرية ، تضرب في لحم الاستسلام ، وتتعالق مع ما أنتجته قصيدة عوافين عند نبيل مصيلحي ولكن بشكل ينبع هنا من فرد / إنسان ، لا من منظور سياسي / منظور الكتلة / العرب .
الكتابة لدى علاء عيسى تنشع بحالة من السخرية التي تسعى إلى تنشيط الوعي وخلخلة المرجعية الثقافية بنقلها من حال السكون إلى الحركة / الوعي .
أما حالة الغناء عند د. أيمن محمد جمال ، فإنها تسعى إلى تأسيس حالة أنسنة للعالم والأشياء ولا تحفل بآليات الخطاب الخارجي أكثر من اعتمادها على إعداد استراحة للذات بالحلم بعيداً عن عناء التوتر والبرودة:
(يا عمر بيغني ..
غناوي الحب والطيبة ..
إمته نحط الرحال ..
بعد السنين الكئيبة ..
ونودع الترحال ..
ونبات في قلب الحبيبة …) ق عيون الحبيبة
إذن بالتنقيب في عوالم هؤلاء الشعراء يمكننا توليد ملامح مطمورة ، وبتحليلها نتمكن من الوصول إلى أبعاذ الرؤية الشعرية المتشابكة جدلاً وحواراً وبوحاً مع تأثيرات وترسيبات ما يصدره الخارج من خطابات لا تعني سوى استفزاز تلك الذات .
شعر العامية كمحتوى جمالي :
تلعب جماليات القصيدة دوراً هاماً في تشكيل شعر العامية المصرية ، بداية لاستعمالها للمنطوق اليومي في أفواه الناس ، مروراً بالموسيقى ، سواء كانت تفعيلة أم إيقاعاً فالاستقبال الفني لدى المتلقي يكون عالياً – مثلاً – مع الموال والزجل ، لما يضربان بجذورهما في المرجعية الثقافية والذائقة الفنية لديه ولتدريب تلك الذائقة وتربيتها على التعامل بحس جمالي يتماشى مع تطور القصيدة العامية وصولاً إلى قصيدة النثر ؛ أخذت القصيدة النثرية في التخلى عن أشياء كالموسيقى التفعيلية والأبيات المنتظمة شأنها في ذلك شأن الفصحى لتعتمد على الإيقاع وتخلت عن مهارة الشاعر التي تتلخص في القول والإنشاد إلى الاحتفاء بالتفاصيل الحية المعيشة متخلية عن الصورة المركبة في قصيدة التفعيلة وأنتجت دالاً يقدم إحالات عدة ولم تتميز بالغموض كقصيدة السبعينات وعادت إلى المسار الطبيعي لبساطة وجلال المفردة .
كل ذلك كانت له تداعياته الخاصة بسبب تحول الخطاب الإيديولوجي فتحولت هي الأخرى إلى مغازلة الحياة والمتلقي بذات البساطة مستفيدة من منجزات القصيدة السابقة .
أما قصيدة التفعيلة بتركيبيتها –إلى حد ما- كانت مطروحة في ديوان نبيل مصيلحي الأول "بوح القمر" ، وبعض قصائد لعزت إبراهيم في ديوان "بنحب موت الحياة" ولكن علاء عيسى أخذ منذ البداية طريق الشاعر القوال الذي يحفل بالإنشاد ولا يغفل المتلقي :
(ولحد ما ييجي الليل ..
ويمد خيوطه جدايل ..
فوق الكون ..
حتنادي القمرة نجومها ..
لجل ما تطلع ..
ويقضوا الليل حكايات … ) ق إوعى تموت
ثمة علاقات تربط الليل بالقمر ، بالنجوم ، لتعكس علاقات دافئة كالحكايات التي تتبادلها الذات الشعرية مع نفسها . ولكن بتجليات أخرى ، الصورة الشعرية تتشكل عبر تواتر الأسطر بأنسنة الأشياء والعالم ومفردات الطبيعة ورؤية ذلك بشاعرية تحيل إلى تساؤل : كيف ترى ، وتتهيئ لتشكيل عالمك ؟.
(وانت صغير ..
كان شعرك زيك إسود جاهل بالدنيا ..
واما كبرت ..
وعيونك شافت كل الأهوال ..
إبتدا يبيض) ق شيء لزوم الشيء
هي الرحلة إذن بالعمر سعياً وراء الحكمة وراء الإمساك بملامح الوجوه الراحلة . ثمة صورة كلية تتشكل من خلال ديوان خيانة لعلاء عيسى ، تعنى بالقول / البوح ، برهافة حسية وبصور قصيرة تنطبع على الأشياء ، إذ هي تخرج ممتزجة بذات الألفة والأسى ، وبلغة بعيدة عن الادعاء ، فالمفردات تحمل بداخلها طاقاتها الموسيقية وملامح العالم المتشكل على بنية حوارية ظاهرياً ومنولوجية دلالياً :
(تضايق .. ؟
من إيه … ؟
م الكلمة اللي اتقالت ..
ولا م الشعر اللي بيقصد يكسر نفسك قدامك ..
لو منك متدقش ) ق شئ لزوم الشيء
ذلك الجدل ، وتلك الذات المتفجرة ، بطاقاتها ، وجمالياتها تنحرف قليلاً عند د. أيمن جمال قليلاً لتتكئ على الحس الغنائي ، يقول :
(أنا قلبي نايم ع الرصيف ..
جعان بيحلم بالرغيف ..
يشوف طابور العيش طويل ..
طويل .. طويل ..
يا مين يعيش … ) ق رصيف
ثمة افتقاد جلي لإنسانيات تفارق الواقع ، تتشكل هنا بالصورة ، وتحلم بالرغيف ، بدفئ التواصل .
جاءت المقاطع القصيرة محتشدة بطاقات شعرية تنم عن تقاليد التجارب السالفة ، تحفل بالتطريب ، إلا أن ثمة جماليات أخرى وأراض بكر ، ارتادتها القصيدة كما نرى عند عزت إبراهيم و نبيل مصيلحي .
فالقصيدة عند (عزت إبراهيم) تحفل بالأشياء الصغيرة وسرد التفاصيل ، يقدم قصيدة نثرية تكشف عن البعد النفسي للإنسان المتعب من التكرار :
(يومياً تحلف بكل الأيمانات ..
إنك هتبطل تشغل نفسك بالناس ..
وإن صفاءك مع خلق الله محسود …) ق نفس المشهد يوميا
ثمة ذات تبدو جلية هنا في حين كانت في بداية الديوان مع حبة حاجات مهمة مجرد ذات مختبئة وراء بنية المشهد ، هاهي تعلن بجلاء أن ذلك الصفاء مرصود وأن ثمة آخر يشارك الذات ويرهقها سعياً وريبة ونراه في معظم القصائد ، آخر يتربص بالإنسان ، ويغلق عليه كل الطرق للهرب ، فيحاول الشاعر أن يمنحه من مكنونات ذاته "حبة حاجات مهمة" في مقابل أن تتزحزح تلك البرودة :
(حبة حب صافي ..
مش بس ممكن / يمنحوا البنت الخجولة ..
الجرأة والاعتراف بالحب ..
للواد الخجول / لأ / دول كمان ممكن يحننوا قلب الحكومة ..
وتمحي من عرض الشوارع / صورة العسكر ..
وشكل المخبرين …) ق حبة حاجات مهمة
التصريح في نهاية المقطع بأشكال السطوة ، يقف مفارقاً لخجل الولد والبنت .. فالمفارقة تقوم بدور كبير في جمع التفاصيل المتناقضة كي تؤسس عملية الخلق الجمالي في الديوان ، بلا ضجيج ، وبلغة سردية مكنزة بالمشاعر تستفيد من لغة السينما في التقاط المشاهد القصيرة وفي القطع والمنتاج ، لتجمع بين المتجسد خارج الذات وبين تفاصيل الداخل .
من هنا تعمل المفارقة في أوصال تلك التفاصيل كمشرط جراح يتعامل بهدوء شديد في تشريحها بحثاً عن مواطن المرض كي ينتصر عليه بالحياة ، وعلى السقوط والتشظي بالتوحد وعلى التكرار بالصفاء والاحتماء بدفئه الخاص .
أما بديات الذات عند الشاعر نبيل مصيلحي فإنها تأخذ ملمحاً سيزيفياً لا يوهن من عزيمته ثقل الصخرة أو استحالة وصولها .. إنها تتبدى روحاً متمردة لا ترتضي سوى أن تقاتل بالشعر بغية تحقق صورة مثال .. ذلك التمرد لا يختبئ تحت بنية المحتوى بل يقوم بعملية مراوحة بين الجمالي والإيديولوجي ويرجع ذلك إلى تلك الصورة السيزيفية القارة في الوعي الشعبي المعايشة ، تلك الذات لا تنخلع من لحم الواقع بل ترفض تبعثرها / تشظيها عبر آليات عدة ، فيعتمد على التناص مع أشعار أصدقائه ، بغية بلورة حالة جمالية من الحوار لتجابه تلك المواضعات :
(أطوي في قصة إبراهيم عطية ..
مع باقي كسور الحلم ..
في قلب الروح .. ) ق محاولات الخروج من دايرة الوجع
تلك الهزائم المتوالية للحلم تؤسس لإنتاج رؤية مناقضة للانكسار عبر الولوج إلى الحلم حيث الحرية والفكاك :
(وبحاول أخرج م الفتارين ..
الأيام ..
معرفش … ) ق محاولات الخروج
الاعتماد على التناص لا يتوقف أمام ذلك الجدل مع التجليات المماثلة لبنية ومشروع الذات بل يمتد إلى توظيف ما هو تاريخي وأسطوري مع معطيات راهنة – لاحظ قصيدة "واد رامي جتته" .
إن مغازلة الأحداث الراهنة تارة بالرمز في تجسيد ملامح كاريكاترية لرأس القوة العظمى وتصغيره في صورة (واد) يعني تجاوز وعلو لقيمة الإنسان العربي ، ويكشف على مستوى دلالي آخر ملامح زيف ذلك الخطاب .
يحتشد الشاعر بأسلحته / لغته ، كي يواجه صلف الآلة العسكرية ، فتتتخلق في النص مفردات (المتسوجر ، نعكش جنونته ، متخطط جسمة ، مطرطأ ودناته) ..
(وطنين النحل العربي ..
داخل صناديق الخوف..)
تلك الرغبة المدمرة عند الواد الكاوبوي التتري تهدر حضارات عريقة في حين يتحصن هو بمسوح دينية وتاريخية تتهاوى داخل بنية القصيدة التي تتشكل على شكل لوحات مغلفة برسالة تتصدر مقدمة بداية الديوان ؛
بالإضافة لاعتماد الشاعر في بعض القصائد على التناص يستفيد من صيغة التكرار في قصائد (محاولات للخروج من دايرة الوجع ، واد رامي جتته ، مؤمن جداً بتلاقي الأرواح) تلك الصيغة الأسلوبية مكنت الشاعر من العزف على لحن أوجاعه كما هو عند (مأمون كامل) ولكن بصورة توحي بالتمرد :
(طيح ودبح في السكات ..
مش بعيد ..
يرجع حمامك اللي هاجر من ضياك …) ق جرأة
ما بين مفردتي طيح والمعنية بالزمن وبين الحمام اللي هاجر ، تتشكل البنية المصغرة ، لفقدان الحلم والإيمان بعودة صورة مثال لذلك المخاطب، إنها روح فاض بها الكيل فتمردت وأنشدت.
وبانحرافة ما عن شكل الذات وأداءها الجمالي الهامس عند (عزت إبراهيم) وبدراميتها المتمردة عند (نبيل مصيلحي) ، تجيئ في ديوان "ترانيم على وتر الوجع" للشاعر مأمون كامل كتنويع آخر على نفس الوجع ليحلل خطاباً غير متسق وتمرداً معلناً يجمع بين نقيضين ، بين صور بريئة تستمد صفاءها من دفء الماضي أو فراق الأحبة وبين السخرية الأصيلة من المعطى الخارجي :
(دستور دستور أول سايز ..
دستور هيقول لك في الأول ..
أمتنا دي أمة عربية ..
واللي هيقول آه في البصرة ..
هتحس بوجعه الشرقية … ) ق ترانيم على لحن الوجع الأزلي
ثمة تبعثر حادث / راهن يتم تعريته شعرياً بصيغة ساخرة ، فبعد إقامة الشاعر أكثر من عشرين عاماً في قصيدته الطويلة شندويل حتى تجاوزت العلاقة بينه وبين قصيدته حد الانصهار ، صارت وجهه ، ينادى بها ، ويعرف بها ، ولم يكن أبداً شاعر القصيدة الواحدة . وإن غطت بجمالياتها الثرية على قصائد أخرى كانت بحق قصيدة الصالة المصرية المعبرة عن الارتباط بالأرض لكنه اصطدم بديوانه الثاني بزيف الخطاب الثوري وتحوله عنه فكانت إذن حدة الخطاب الشعري لديه لها ما يبررها :
(واقول يا حبيبتي يا بلدي ..
واحبك ليه ..
حبيبتي يعني ساتراني ..
ولو في الشدة سنداني ..
دانا دمي اللي رخصته كتير على شان ميحميكي ..
رخص بيكي … ) ق ولا تموتي
لم تكن الحبيبة كياناً مصمتاً أو مثالياً يضرب في المطلق ، إنما هي كيان حي نراه في "شندويل" ديوانه الأول ، كيان يتنامى ويتساند على ذاته لينهضا معاً / الشاعر والوطن . لكن ثمة تحولات أخرى خلقت خطاباً شعرياً حاداً ينتقد ويعكس حالة من الحسرة وترسيب الحزن الذي نراه في قصائد (شجرتين ، غريب السويس ، شنطة سفر) حيث يزاوج الشاعر بين القصائد الدافئة الهامسة وبين القصائد الساخرة ليجمع بين خطابين بينهما تقف هوة الزمن الذي استدار عليه :
(يا شوكة في سكة الظالم ..
وضحكة في سكة المظاليم ..
بوصيك ياد يا إبراهيم ..
لبعد ما اموت ..
لا تنساني ..
ولا تكتبش غير نفسك .. ) ق إليه
مشروعية هذه الذات مبنية على الاتساق (ولا تقتبس غير نفسك) وهي طوال الديوان تتمسك بتاريخها المضيء وتتمرد على واقع مستفز بلغة خاصة .
الخلاصة :
نخلص بأن تبديات الشعرية في الأعمال المدروسة قدمت خطاباً يتراوح بين الحس الدرامي الحافل بسمات جمالية تمكنت من إنتاج النص الشعري كالتناص والاعتماد على لغة تستفيد من السرد والتصوير والتقطيع السينمائي إلى جانب خطاب آخر يحفل بالإنشاد ويفيد من صيغة التكرار كموتيفة جمالية مع مصاحبة الموسيقى التفعيلية والتورية وصنوف المجاز الأخرى ، حيث أنتجت في النهاية رؤية موازية للراهن وبدا النص النثري الوحيد عند (عزت إبراهيم) قائماً على جماليات قصيدة النثر المعاصرة التي بدأت تتجلى في أوائل التسعينات عند بعض الشعراء الذين أفادوا من سابقيهم من شعراء العامية المصرية وخلقوا لأنفسهم لغة تمكنت من القبض على حيوية وحركة الواقع .
تلك الكتابة عند الشعراء الخمسة تميزت بخصوصية عوالمها وبجدية الطرح والرؤيا التي صاغها واحتواها الخطاب الشعري لديهم مبتعدة عن المفردات المستغلقة بل كانت منسجمة في حرارة ودفء يقوم بتعويض ما هو إنساني ومفتقد فبدت لغة التمرد أحياً والتداعيات عبر جمل شعرية ذات حس خاص .
الهوامش
1. أ. د. أحمد يوسف – نحو النص في فكر مندور – كتاب قضايا الإبداع والرؤى المعاصرة – مؤتمر الشرقية الأدبي عام 2002م – الهيئة العامة لقصور الثقافة .
2. أ.د. أحمد أبو زيد – الإصلاح الثقافي والهوية – كتاب الإصلاح من منظور ثقافي – مجموعة باحثين – مؤتمر أدباء مصر بمدينة الأقصر 2004م – الهيئة العامة لقصور الثقافة .
3. عزت إبراهيم – الروح اللي طلعت النهاردة – سلسلة إشراقات جديدة – الهيئة المصرية العامة للكتاب 2004م
4. نبيل مصيلحي – جرح غاير في صباح القلب – طبعة خاصة – 2004م
5. مأمون كامل – ترانيم على وتر الوجع الأزلي – مخطوط –
6. علاء عيسى – خيانة – طبعة خاصة
7. د. أيمن محمد جمال – مسافر في العيون السود – طبعة خاصة 1993م
أ. طلعت الشايب – دهستنا خيول العولمة - الأدب والتحديات الراهنة – مجموعة باحثين - مؤتمر إقليم شرق الدلتا الثقافي بمدينة رأس البر بدمياط 2003