واحة الدهشة
ساحة لنشر إبداعات في الأدب والفكر و الفن
عندما يذهبون

مجتزأ من رواية
 
 للشاعر إبراهيم سلامة
 

#    إلي البنات اللاتي يقتلن أنفسهن من  أجل

       أحبائهـن ومن أجل حلم آخر يغير الواقع ،

#    وإلى قبــر أبي في [ أبو ياسين ] الذي

علمني اليتم .

[ 1] 

ما الذي يشعرن به ، في الوقت الذي يقتلن فيه أنفسهن من أجل أحبائهن ، وما الذي يشعرن به في الوقت الذي يذهبن فيه إلى القبر فرادا، ويقفل عليهن باب من طين ، كانت لهن قلوب يعشقن بها ، وكانت لهن أعين يرون بها كل شئ جميل وقبيح ويرون بها أجسادهن تتحرك في المرآة كأنهن الحوريات ، أو اللاتي تحدثت عنهن الكتب المقدسة بأنهن بنات الجنة .

لهن شعور طويلة وعيون عسلية وسوداء ولهن صدور نافرة مدببة ونظرات قاتلة  – كن ساحرات في الجمال  – كأنهن الجنة والجحيم معاً ، وكأني وأنا أكتب عنهن أراهن عرايا أمامي ، أصفهن من أسفل لأعلى ، قليل أن أقول أنها الجنة بعينها ، شلالات من الفرح والجمال والمتعة المتسرسبة في الروح ، كانسياب الماء ببطيء من أعلى لأسفل ، كل هذا ينتهي ويكتب على أبواب القبور أسمائهن وتواريخ عربية وإفرنجية .

باقة ورد للفتيات اللواتي قتلن أنفسهن من أجل شخص ، ربما لم يحبهن أو أحبهن ولكنه نسي هذه الورود التي تذبل في التراب بعد قليل جداً ،  إلي النسوة اللاتي وهبن حياتهن بعد موت أزواجهن للأولاد فقط .

[2 ]

يوم الأربعاء 10- 2- 1999 ، قال لي أخي وأنا قلبي ملئ بالحزن ولا أفارق السرير – عندما أحزن أنام كثيراً – نذهب لنرى جنينة الليمون التي بالترب [ المقابر ] ، كان وقت الغروب والدنيا تدخل في الظلام ، ماشي في الترب أقرأ أسماء الميتين ، تواريخ قديمة وجديدة ، وأثر لأقدام الكلاب بين القبور ، وجريد نخل أخضر مزروع على رؤوسهم وشجر [ كازورين ] دلالة عن الحزن الشديد ، قبور مكتوب على يافطتها الرخام أسماء لبنات بنوت أتذكرهن أو أتذكر واحدة منهن بالذات كانت تقف كل يوم وأنا أذهب الى المدرسة وهي صغيرة في البلكونة الطين أمام بيتهم [ عبير محمد الشبراوي ] أتذكر شعرها الجميل وهو  يملأ ظهرها من الخلف ورموشها الكثيفة الطويلة السوداء ، وحواجبها المنسقة وشفايفها الموردة الحمراء التي تشبه لون الورد .

 

11 يناير 1991 م تاريخ وفاتها ودفنها ، ما زالت بنت بنوت ، لم أحضر جنازتها ولكني لا أتخيل أي نعش هذا الذي حمل فتاة جميلة مثلها وفي مثل هذه السن ، ما حال الناس الذين يمشون خلفها ويضعونها في مثل هذا القبر المظلم ، أي يوم هذا الذي يحمل كل حزن الأمهات والأباء - في مثل هذه الحالات - والذي يحمل كل هذه الدموع انه يوماً لا أذكره  .

 [3 ]

يوم الخميس 11-2-1999 م أذهب للمدرسة التي أعمل بها وهي تقع في نهاية شارع " سعد زغلول " في مركز أبو كبير وبجوار الترب آخر مكان في السكن ، ولكي أذهب إليها أمر بكل الشوارع الرئيسية بمدينة أبو كبير ، هذه المدينة التي أنتمي  إليها لكني لا  أفهمها ، فهيأتها تشبه هيئة ساكنيها ، لا تفهم من الوهلة الأولى فهي تخبئ لك شيئاً ما ولا تعرفه ، فأنا لم أفهم أي شخص من هذه المدينة

 

فهم داكنين كهيئة البيوت ، ولكن ريفها جميل كل [ العزب ] ــ قرى صغيرة كانت من قبل مملوكة لأشخاص ــ والقرى مليئة بالليمون والبرتقال والنخيل والبيوت الطين الملونة بالجير الأحمر والأخضر ولها شبابيك حديد تطل على الغيطان والترع وأبراج الحمام ، وأيضاً فإن نسائها جميلات طيبات ترتاح النفس إليهن سريعاً ، ولا يخفين عنك شيئاً ، تتحدث إليهن كأنهن بحور صافية دافئة وتشعر معهن بأنهن يخفن عليك ، كل يوم أمر بالترب لكي أدخل المدرسة التجارية بنين التي أعمل بها مدرساً للغة الفرنسية ، وأقرأ كل يوم يافطة مكتوب عليها في مدخل المدافن ( السلام عليكم أهل الديار……………) ، وآية قرآنية على المقام الذي تبدأ به التربة " وقد خاب من افترى " صدق الله العظيم   ، وأرى القبور متغيرة  وخاصة يوم الخميس وكأنها مبتهجة ، فالترب

تمتلئ بالنساء والبنات والأطفال ، يذهبون جميعاً لزيارة أحبائهم وأقاربهم ويطلعون عليهم [ الخمسان ] ــ ثاني وثالث خميس بعد يوم الوفاة ــ [بالسبتة] ــ نوع من السلال ــ  البيضاء المغطاة بالبشاكير الملونة والمليئة بالبرتقال والقرص والتمر والعيش الطري المرحرح .

 

 

[4]

لم أكن أعلم أن هذا الجزء جميلاً إلى هذا الحد ، مع أنني رأيت نساء كثيرات وهن يتبولن خلف الدور ويقمن مسرعات ، يرفعن سراويلهن وينظرن في كل اتجاه خشية أن يراهن أحد ، رأيتهن في الصباح الباكر يتبولن أمام الدور وفي الشوارع وغيطان الليمون ، كنت صغيراً لم أتجاوز بعد التاسعة من العمر ، واضعاً يدي على الباب الخشبي الأخضر الكبير في الدار الطين ذات الأوض الكثيرة والتي يسكن كل

واحدة منها امرأة من نساء دار خالي [ الحاج أحمد ] ، حينما أوقعت [ فاطمة  محمد ] في وسط الدار " هانم الغريبة " بعد أن خلعت قرطها المطرزة بالخرز  فانفرط شعرها الأسود الطويل على ظهرها ، اهتزت وتدحرجت على الأرض وفوقها فاطمة محمد ، لم تكن ترتدي لباس فظهر من بين ساقيها البيضاوتين جزء أسمر شديد السمرة في منتصف ساقيها وأسفل دائرة بطنها المستديرة ، والتي طالما حملت وولدت من هذا الجزء وأمعنت النظر في هذا الجزء ، كانت ساقيها جميلتين غاية في البياض والجمال ، سمعت [ هانم الغريبة ] تعايرها بالكنبة ولم أكن أعرف معناها إلا عندما كنت أنا وأخي نمشي مع أخواتي البنات وبنت خالي [ اعتماد ] ونحن ذاهبين إلى مولد [ الشيخ غنيم ] في [ أبو ياسين ] ، عندما قلن لبعضهن في خجل شديد وحمرة تعلو وجناتهن الصغيرة بأن حماة فاطمة محمد  [حميدة محمود ] وهانم الغريبة أخرجن من تحت الكنبة بعد رفع كسوتها [ كمال أحمد]  وسط صيحاتهن والخجل الشديد الذي ظهر على فاطمة محمد ، فابتعدت بصدرها العريان  وثدييها الكبيرين عنهن ، تنظر من

الشباك الحديد ناحية شجر الليمون ودار ابن عم زوجها – احمد محمد الصغير – ومن وقتها والنسوة يسررن لبعضهن بهذه الحكاية أثناء جلساتهن تحت دكر التوت الكبير أو في وسط الدور وتخجل البنات الصغيرة عندما يسمعن كلامهن ، وقد اختفى على أثر هذه الواقعة [ كمال احمد ] ويقال أنه ذهب إلى بور سعيد ليعمل هناك حارس على شركة وبعد ذلك عاد عامل في مسجد البلدة .

 

أنا وأخي الصغير [ عبد المنعم ] لم نفارق بعض إلا عندما أدخل الفصل الطين الذي يطل على شارع [ المجايدة ]  ويدخل هو الفصل الآخر الذي يطل على شارع آخر ، بعد الظهر نلعب مع مجموعة أخرى من الأولاد [ السيد ابن محمد أبو أحمد وأخوه سمير  ] اللذان كانا يسببان لنا مشاكل كثيرة تصل إلى أمي وأخي الكبير الذي لا نراه إلا في إجازات الجيش .

كنا لا نأكل شيئاً من الدار ، كل شئ نأكله كان من الخارج ، المنجة والبلح والذرة الخضراء التي نشويها ونأكلها وأيضاً العنب والجوافة ، كانت حياتنا كلها هكذا ، عندما كان الشيخ الذي يحي ليلة مولد الشيخ غنيم يحكي في قصته على الناس ويصلي ويوحد  ونحن ننام على القبورة ــ المقابرــ في تربة أبو ياسين بعد أكل البطيخ الذي نسرقه من الباعة في المولد ونفتحه على القبورة ونأكله ، كنا لا نفكر إلا في الرجوع في آخر الليل وسط الأراضي التي لا يوجد بها أي بصيص نور إلا ضوء القمر الصغير الأبيض وصوت الشيخ [ الشوبكي ] من بعيد وهو يكمل الجزء الثاني من قصته على الرجال الذين يجلسون على الحصير ، يلتفون حول [ الجوزة ــ النارجيلة ــ وشوالي ] النار والنساء على السطوح وأمام البيوت  والبنات في ظلمة القبور وآخر التربة بجوار الغيطان مع الفتية أحبائهن ، من [ دور ] ــ بيوت ــ أبو ياسين إلى دور [ أبو عمرو ] لا يقطع هذه المسافة إلا الترعة التي لا تظهر مياهها من الأشجار التي عليها وطريق الليمون الطويل ، والجنية التي تنتظرنا على الكوبري الأسمنت وبجوارها جرّة بيضاء تملأها بالمياه وتطلب

من أحدنا أن يرفعها علي رأسها ، أو عفريت [ أبو عكاشة ] الذي لا يظهر إلا في الليل تحت نخلة [ أبو شاهين ] والذي وقع من عليها من  مسافة أكثر من خمسة عشر متراً ومن وقتها وهو ما يزال يصرخ طوال الليل بنفس المكان ، والديب الذي يقف عند الثلاث نخلات الأخوات في جنينة   [محمد على  ] كنا لا نفكر إلا في الرجوع ونحن نصف نائمين ولا نفتكر إلا جمل بسيطة من قصة الشيخ عن الطفل اليتيم وأيضاً مواويله والموسيقى التي تصاحبه وبنات أبو ياسين الجميلات اللائى يسهرن طوال الليل في الأراضي وعلى القبور يستمعن للشيخ ويطلقن الضحكات من صدورهن النافرة من لمس أيدي الأحباب .

 

آخر مرة رأيت أبي وهو راجع من الجامع الطين يوم العيد ، يحمل في يده ورق أبيض مكتوب عليه باللون الأحمر خطبة العيد – كان أبي يكتب خطبته باللون الأحمر – وكان يجلس أمام الدار يعلم الأولاد الكتابة ويحفظهن القرآن ويكتب الخطب ويعمل أحجبة لمن

يطلبها من النساء للحمل أو لفك الربط أو للحب ، كان أبي فقيراً جداً ، يحفظ القرآن كاملاً ويحفظ أحاديث كثيرة ودولابه ملئ بالكتب القديمة ذات الرائحة العتيقة والتي يأتي بها من مصر من مكتبة [ صبيح ] ، كان لا ينزل مصر إلا لشراء الكتب ، أمسك أبي بيدي من على باب الجامع وأنا أرتدي [ بيجامة ] جديدة للعيد وأمسك أخي باليد الأخرى وقبل رؤوسنا وأعطى لكل واحد منَّا قرشاً ، لا زلت أتذكره في هذا اليوم وهو يلبس جلاّبية كشمير قديمة مخططة بني وأسود وعلى رأسه عمامة بيضاء وفي قدمه ( بلغة بيضاء ) أيضاً .

الناس يوم العيد كلهم يذهبون لبعضهم ،كل العزبة تعيَّد على بعضها في هذا اليوم  يأكلون الترمس والكعك والبسكويت والفول السوداني ويشربون الشاي بعد شهر طويل من الصيام ، على الحصيرة البيضاء التي بها بعض الخطوط الحمراء والخضراء طبطب علينا أبي وتركنا ننصرف  ، كان أبي لا يبقى كثيراً بيننا فكان دائماً يذهب إلى بلدته [ شرشيمة ] التابعة لمركز [ ههيا ] فاخوته هناك وكان يقيم في

غرفة بهذه العزبة الصغيرة تطل على بيوت اخوته وأقاربه ، يملأها بالكتب والأقلمة البوص البيضاء التي يكتب بها والحبر الأحمر الذي لا يكتب القرآن والأحجبة والخطب إلا به .

كانت أمي تشكو دائماً من أبي ومن عدم إنفاقه على البيت ، كانت بينهم مشاكل كثيرة مما جعل أبي لا يأتِ إلا أيام الجمع للخطبة ، وأيام الأعياد ، كان ذلك في السنين الأخيرة ، كان أبي طيباً ولا يناديه أحد إلا بسيدنا الشيخ ، في أيامه الأخيرة تعرف على  أحد الأصدقاء الذي أقنعه بالزواج وفعلاً دفع له مهراً وذهب به الرجل لبيت أرملة ليزوجها له لكنه أكل الفلوس عليه فمرض أبي بعدها وأتى للبيت .

 

كان أبي لا يلبس إلا الملابس البيضاء   [ قميص وصديرى ] كان يحب أن يجلس على كرسي أمام الدار أو ينام باتجاه القبلة في المنضرة التابعة للبيت والتي تفتح على الخارج ، تحسنت العلاقة بينه

وبين أمي في أيامه الأخيرة  ، الآن أفكر فيما كان يشغل بال أبي في تلك الأيام البعيدة وهو الشيخ الذي يحبه الجميع ، أكابر الناس في العزبة والعزب المجاورة وحتى أفقرهم فهو ينتمي إليهم وهو الذي أنجب تسعة من أمي : أربع بنات وخمس أولاد ، لا أزال أذكر شاربه الذي يحلقه من الجانبين ولا يبقى منه إلا جزء صغير من كل ناحية بجانب الأنف واللحية التي كان يحلقها وشعره القصير الخشن الأبيض على أسود ، كان يقرأ القرآن بصوت مبحوح ويعلم الأولاد على الألواح الصفيح مقابل أجر بسيط يأخذه منهم ، كان يصاحب الفقراء ولأنه منهم كان فى أيام الحصاد يشتري أردب أو أردبين من القمح والذرة على ما كان يأتي منهم نخزنه في الصوامع الطينية التي توضع بجوار البيت أو أعلاه ، كل بيوت الفلاًحين تعرف بالصوامع فوقها وتخزن الذّرة البيضاء في كيزانها في الصوامع أيضاً وتخزن الجبنة البيضاء في الجرار فوق البيت وكانت هذه الصوامع تصنع بأيدي النساء والأخوة البنات ، عانى أبي كثيراً حتى سقَف البيت بخشب الكازوارين الأسود المنتشر في الأراضي الرملية ومن تحت الخشب

وضع السدد البوص ، جعل أحسن أوضة بالمنزل هي المنضرة التي في أول البيت وتفــتح على الخارج ، فقـــــد محّرها وأعطاها لونــاً أخضر وسقفها بالخشب الأبيض ( العروق ) واللوح مع الصالة الصغيرة التي أمامها و  محَّر ــ بيَّض ــ وجة  الدار ، جعل الشبابيك خضراء ، كان أبي يقرأ القرآن للفقراء ويصاحب الأغنياء لأنه يعلم مالا يعلمون ويعلم أبنائهم القراءة والكتابة وحفظ القرآن .

ما الذي كان يحمله لنا بقلبه ؟  هل هو حب أم كره أم الإثنين معاً ، أنا لا أتذكره كثيراً ولا أذكر أني كنت مشيت معه أو جلست بجواره أو أعطاني شيئاً إلا مرَّة واحدة وهو خارج يوم العيد من الجامع لكني أحبه وأذكر نومته الأخيرة في المنضرة التي سقفها باللوح الأبيض كان ينام بطوله تحت الشبابيك بجوار الحائط ووجهه ناحية غروب الشمس والناس تجلس بجواره ولمبة الجاز أسفل قدميه وهو يطلب أن يأكل المنجة       ــ المانجو ــ  ، ولما علم أخي الكبير ذهب إلى مصر وأحضرها له لكنه لم يأكلها ومات .

كنت في العاشرة عندما فتحت الأبواب وملأ الصوت المكان ولأنه لم يكن هناك ميكروفونات بالعزبة ولا بالعزب المجاورة فقد كان يعلن عن الجنازات بطبلة صغيرة يمسكها نفس الشخص الذي كان يقوم بدور المسحراتي في رمضان ، يمشي في شوارع العزبة والعزب المجاورة الأخرى أو يقف أمام الجامع ويضرب على الطبلة بصوت حزين مع الإعلان عن إسم المتوفى وعائلته ، قمت من النوم ورأيت المكـان الذي أمام البيت [ الحوش ] وقد فرش بالحصير الأبيض وملأته الوجوه ، الرجال يجلسون في ناحية اليمين والنساء في الناحية الأخرى ، نظرت في الوجوه ولم أتبين أحداً أعرفه إلا في النساء فقد عرفت خالتي [ إنصاف ] التي تجلس على أحد الحصر وهي تبكي ، الرجال لا يكفون عن الكلام وعن شخص أبي المتوفى وأن له أولاد صغار ، رأيت كثير من الناس يمسح على رؤوسنا أنا وأخي ويتصعّب ، أمي كانت مشغولة بتجهيز أبي ولوازم غسله وأختي [ عزيزة ] الأكثر حزناً فهي تبكي ولا ينقطع بكاؤها وصراخها ، أخي في الجيش أرسلوا إليه ولكنه لم يأت بعد ، وفاطمة أختي تحمـــــــل [ منال ] ابنة [ عزيزة ]

وتلاعبها ، [ ليلى وراوية ] أخواتي مشغولتان أيضا بإعداد الأشياء التي يحتاجها المتوفى ، لم أجد مكاناً أنا وأخي نجلس فيه إلا على عتبة الدار نرقب الحال ، جاء الشيخ [ عبد السلام ] مغسل الأموات وهو رجل في الخمسينات من العمر تقريباً ذو وجه جميل ، على رأسه عمامة بيضاء ويرتدي جلباب طويل سماوي ، يحلق شاربه ولحيته ، حواجبه كثيفة ، يمشي دائماً وفي يده شمسية بيضاء ، كان من تلامذة أبي وأحد أصدقائه ، دخل المنضرة التي في بداية الدار وأعد المغسلة وطلب الماء ، ودخلت أختي تساعده في خلع ملابس أبي ووضعه على المغسلة وتنظيف جسده ،وتكفينه ،رأيت الحركة قد زادت ، مياه دافئة تدخل وليفة وصابونة لها رائحة خاصة فهم يشترون هذه الأشياء مع الكفن من[ أبو كبير ] وعطر للمتوفى ، استمروا على هذه الحال أكثر من ساعة ، وصل أخي من الجيش بملابسه الميري التي غيرها بسرعة وارتدى جلبابه ،هو فوق العشرين عاماً بقليل ، جاء النعش أمام باب

المنضرة وعلت الأصوات ، أخرجوا أبي ملفوف بالكفن وفوقه قماش يشبه قماش القفاطين ــ زّي يلبسه الأغنياء في القرى ــ  أبيض مخطط بالأسود ومربوط عليه ، فتحوا باب النعش ووضعوا فيه أبي ، أذكر أنني بكيت أنا وأخي الصغير لتأثرنا بالمشهد وبالصوات ، خرجوا به ، ما زال هذا المشهد بتفاصيله الصغيرة في رأسي ، أتذكره دائما كلما أحضر جنازة أو أرى شخص يوضع في النعش ويقفل عليه الباب فأبكي كثيراً ، كان مشهداً طويلاً  أطول من يوم كامل ، خروجه من باب المنضرة وحمل النعش حتى الجامع ليصلوا عليه ، بنات عمي الذين أتوا من [شرشيمة ] وصلن في هذه اللحظة يصوطن ويلطمن وجوههم ويجرين خلف النعش ، أتذكر هذا المشهد والحمام يعلو وينزل على مقدمة النعش والناس خلفه ، مشوا به من بين جناين الليمون ومن سكة [ أبو سليم ]  - سكة يحوطها الليمون من الجانبين    حتى وصلوا به تربة [ أبو ياسين ] التي بها القبر الذي سيدفن فيه أبي ، لم أتذكر من هذا اليوم شئ إلا هذه التفاصيل ومسح بعض الأقارب بأيديهم على رأسي ورأس أخي ويقولون صغار

(0) تعليقات
التأرجح على عتبات التنائى

التأرجح على عتبات التنائى
عباس حمزة
 
 

وقاطرة أبعدت بين المسافات

زقزقت العصفور

انتحت جانبا تلعق في نهم

بقايا وجودي

يا رفيقا قد أمعن

في التهاجر

عد إلي

فاصطباري عانق دهاليز الرحيل

عودي

اقطعي مسافات الهوى

فبقاؤك في سراديب التنائي

يمتص من قلبي الرحيق

يستبيح اختناق العبرة

في أنابيب المحاجر

يعصر المزن المضفر في عيوني

يذبح القلب القديم

علي أطراف حبك

عودي

فابتعادك مثل أقدار البشر

حمل ثقيل

قلبي

لحم ودم 00 دم وأنت 00 أنت و أنت

فبانت ارجعي

ازرعي سوسنه

لعصفورنا الصغير

وانزعي صفحة الليل الثقيل

وأشعلي الهوى

بشمس صبح

عيناك فيه

ضوء يسيل

 

(0) تعليقات
مشاعر دافئة

مـشــاعـــر دافــئـة

 

دراسة في نماذج شعـرية لأربعـة من شعـراء أسـوان

( عباس حمزة ، ومحمد راغب عبد النعيم ، ومحمود السانوسي عبادي ، ومنعم نوبي )

 

بقلم : عـلاء الدين رمضان

 

طاب مساؤكم

سبق لي أن شرفت بالجلوس إليكم في مجلسكم هذا العام الماضي، وقد تصديت يومذاك لقراءة أعمال من شعر العامية للشاعر الرائد حجاج الباي والشاعر الكبير محمد هاشم زقالي ، والشاعر الواعد محمد الريفي ؛ وها هي الأيام تدور دورتها وأعود إليكم لأشرف بالالتقاء بكم مجدداً في ليلة طيبة أقرأ معكم فيها نماذج شاعرة من الفصحى ، هي من نوع مجدد من الشعر الحديث لأربعة شعراء من أسوان هم بحسب الترتيب الأبجدي لأسمائهم : عباس حمزة أحمد ، ومحمد راغب عبد النعيم ، ومحمود السانوسي عبادي ، ومنعم نوبي محمود ؛ وأشير أولاً إلى أنني وإن شرفت بقراءة أعمالهم إلا أنني لم أكن وراء اختيارهم على التعيين للدراسة ، فحالهم كحال الثلاثة الأُول اختارتهم إدارة نادي الأدب بقصر ثقافة أسوان في سلسلة طموحة تهدف إلى قراءة الأشعار والأعمال الأدبية لأدباء أسوان وشعرائها قراءة نقدية ، وهو مشروع جيد ورائع ويجدر بالأندية الأدبية في المواقع المختلفة الاستهداء به ، ويجدر بنا نحن الآن توجيه الشكر والإشادة بالقائمين على هذه الفكرة الجليلة ..

 

وقبل الدخول إلى براحات الشعراء الملونة هناك مجموعة من الملاحظات الأولية العامة التي استنبطتُها من القراءة الأولى لنصوصهم ؛ أشير إلى بعضها باختصار :

1 – غياب الموضوعات الرئيسة  والقضايا الكبرى ، اللهم إلا عند السنوسي الذي يظهر في نصوصه بعد فلسفي واعٍ ؛ وعباس حمزة الذي يستغل طاقة نفسية تخلق لديوانه وحدة عضوية وموضوعية فيها استقراء نفسي عمقته المعايشة النفسية للنصوص وتجاربها ، وخلقت تلك المعايشة نفاذاً للرؤية وحميمية للدفقة الفنية للنص .

2 – عدم تمكن الشعراء من تقديم النموذج المتكامل الدال على بيئة ثقافية أو فكرية أو حتى على الأقل فنية مميزة ؛ فتلك القصائد لم تكن معبرة لا عن شعراء المرحلة ولا عن نوعها الشعري ولا عن البيئة التي تنطلق منها اللهم إلا عند عباس حمزة ، وما استثناه من ذلك إلا كونه يطرح قضية نفسية بيئتها الذات الإنسانية ومجتمعها الأحاسيس النفسية والمدركات الوجدانية .

3 – بقي أمر أخير يتعلق بفنيات النوع والأداء ؛ هذا الأمر هو قضية تحديد النوع الفني للقصائد المطروحة قبل الحديث عنها وأهمية ذلك ، هي بعامة يمكن تعلقها بنوع قصيدة النثر وإن أتت نثرات من القصائد موزونة عند الشعراء الأربعة ؛ وفي الوقت نفسه أوضح أن قصيدة النثر رؤية جمالية لها فنياتها وأصولها ، إذ تبدأ من نقطة ما بعد العروض لا قبله ، فهي مرحلة تطوير لا ردة ، فهي وإن كانت مقبولة من شاعر فهذا لا يعني قبولها من آخر ، وإن سوغ لها نسق فني عند ثالث فربما لا يجد الرابع نسقاً مسوغاً لها عنده ، لذا يُعزى اللجوء إلى قصيدة النثر عند معظم شعرائنا الآن إلى غياب الأدوات الأولية لديهم والأمر نفسه ينسحب على شعراء الدراسة إذ تغيب هذه الأدوات في بعض القصائد أو معظمها لديهم ؛ مما غير اتجاه القراءة النقدية وأثر بالتالي على الرؤية النقدية المتكاملة تجاه القصائد موضوع الدراسة ، لذا أود التأكيد هنا على أنني لا أتحدث عن قصائد بقدر ما أحلل مشاعر إنسانية أحترمها وأقدر جهد أصحابها في التعبير عنها إنسانياً، أما الفن فهو أمر آخر مغاير ، ولا يعني هذا انتفاؤه بالمرة ، لكن يُنصُّ عليه عند حضوره ، ويشار إليه عند قيامه ..

وبعد هذه الملاحظات والإشارات نبدأ بالحديث عن فرسان الحلبة وشعراء الدراسة ولكن دون ترتيب أبجدي هذه المرة ؛ ولنبدأ تصاعدياً بالشاعر منعم نوبي محمود وصاحبِه الشاعر محمد راغب عبد النعيم ، ثم نُثَنِّي بالحديث عن الشاعرين محمود السانوسي عبادي وزميله الشاعر عباس حمزة أحمد.

 

* * منعم نوبي ومحمد راغب عبد النعيم :

يكاد يصرح منعم نوبي في شعره بانصرافه عن الشعر كما في نصه أحضان مؤجلة :

الآن .. لا أملك شيئاً ..

غير قمر أملك نصفه ..

والنصب الآخر اغتصبته وأتيت

وهو قبل ذلك يشير إلى معنى راسخ في أعماله وفي نماذجه :

خطفتني فوضويتي وتماديت

طاوعت فوضويتي وتماديت

لذا نجد عصفورة الشعر قد تابت عنه في يأس من استقامة عوده الشعري لكنه لم يتب عن الشعر فجاءت قصائده متثائبة في صحوها لأنه نهج منهج البين بين ، فلا هو ترك الشعر ولا هو أخلص له عزماً ، يقول في قصيدته " حادي القوافي " :

تابت عصفورة الشعر عنا ..

ليتنا تبنا ..

يتثاءب القصيد ..

البين بين في المآقي ..

وهو هنا يقدم في نصه هذا صورة انتظار الشخصية البديلة الفاعلة التي تنتشل ما أضاعته الشخصية الظاهرة للشاعر من وجدان ..

وهو – أي منعم نوبي – مع ذلك لديه بعض اللمحات الشاعرة ذات الفنية الجيدة ، إذ يمتلك قدرة على تركيب الصورة الشعرية الأولية المؤثرة ، ولكن بندرة لا تمثل نمطا ولا تعني اتجاهاً ؛ ومن أمثلة ذلك قوله :

الأحلام قواديس مثقوبة .. ،

مصلوبة في السواقي .. ؛

وأيضاً مثل قوله :

وأغاني الهوى تتوسد الأرصفة ..

كما أنه يحاول ابتكار وتوظيف الأسطورة مثلما فعل في نصه المسمى " قتل العرافات " فهو يتماس مع بنى معرفية من خارج النسق الشخصي الضيق الذي وسم نصوصه ، فمثلاً يتماس مع النسق المعرفي للتقاليد والموروث التاريخي والاجتماعي للشخصية العربية بدءاً من عناوين بعض نصوصه كما هو الحال في " حادي القوافي " ، و " قتل العرافات مباح " ؛ كما يحاول بجهد مشكور توظيف الأسطورة كما قلنا ؛ ومن خلال هذه المماسَّات المعرفية نجد أن الأنساق تتنوع عند منعم نوبي تنوعاً يغني تجاربه ويكسبها عمقاً وقوة ، فنجد عنده الفارس والقافلة والقبيلة في نسق ، ونجد عنده العرافات وذكر الودع والبياض والكوتشينة في نسق ثان ، ونجد عنده الحارة والقيلولة والعفريت والأبواب المغلقة والأطفال المنهِكة لعباً في نسق ثالث .. وهكذا ؛ هذه الأنساق أمدت نصوصه بعوالم متجددة وأغنت تجربته وأكسبتها عمقاً وحميمية .

 إضافة إلى ذلك نجد عند منعم نوبي ميزة مهمة لا نقع عليها غالباً إلا بين يدي شاعر له خبرته الفنية مثلما هو الحال أجلى وأكثر فنية عند عباس حمزة هذه الميزة هي ارتباط قصائد الشاعر كأنها بنى جزئية في نطاق نص واحد ، لكن الروابط عند منعم نوبي أوهى وأقل فاعلية منها عند عباس حمزة إذ نجد أن الرابط عند منعم نوبي بين " أحضان مؤجلة " و " حادي القوافي " هو شخصية المحبوبة المخاطبة " لبني" ، والرابط بين " حادي القوافي " و " قتل العرافات " هو العرافة .. بينما نجد الروابط عند عباس حمزة أنسجة متلاحمة من مشاعر ووجدانات ومشاعر خلقت تعابير متساوية أو متقاربة تحافظ على ما بينها من وشائج وتحتفظ بروابطها ، وما دمت أقارن بين منعم نوبي وعباس حمزة فلا أستطيع أن أغفل جنوحهما للتكرار بوصفه بنية أسلوبية ذات أثر فني فاعل في صوغ التجربة وسأقف عند تجربة عباس حمزة مع هذه الفنية عند حديثي عن عمله أما منعم نوبي فأبرز مستمداته من فنية التكرار تجلت – فيما بين يدي من نصوصه – في نص " خلفية بطعم الآه " الذي يتحدث الشاعر فيه عن وجهين مؤثرين في نفسه ، هذان الوجهان هما حالة تدفع للحزن وأخرى تدفعه .. وكأن الشاعر يرسخ للثنائية التي تستغرق مشاعرنا العربية بدءاً من الكفر والإيمان ..، الخير والشر ..، الأسود والأبيض ، الظاهر والباطن ، الاجتماع والفرقة..  ، ويدعم الشاعر نصه ببنية أسلوبية جادة وقادرة على دفع النص صوب الإجادة هي بنية التكرار التي أشرنا إليها قبل قليل ، لكنه أفسدها كما أفسد التكوين التصويري وأنساق الصياغة ، لقد أفسد ظلال التكرار وما يمكن أن يقدمه للنص عندما فسر أو أشار إلى ذينك الوجهين ووضح أنهما وجهه ووجه محبوبته ؛ مثل هذه الأمور الفنية لا تعتمد على الموهبة بقدر اعتمادها على الخبرة ، وهي التي تشي بصاحبها إن كان ذا خبرة فنية أم لا ؛ ومن الأمثلة على ذلك أيضاً عند منعم نوبي قوله في أول نصه " أحضان مؤجلة " :

جرت العادة أنك كتوم ..  لن تبوح ..

وجرت العادة .. أن للهوى رائحة تفوح

أية عادة تلك التي جرت ؟ .. هذه العادة في النص عهد شخصي ، وذات بعد محصور بين الشاعر وتجربته ، لا علاقة للمتلقي بها ، فهي ليست عادة شروق الشمس في الصباح من الشرق وغروبها عند المغيب في الغرب ، ولا هي عادة النوم واليقظة ، الأكل والشرب ... إلخ ؛ لذا كانت التجربة محوجة إلى صيغة خبرية غير قاطعة لتنقل إلى المتلقي حالة الاعتياد ثم تبني عليها .

ويلتقي الشاعران منعم نوبي ومحمد راغب عبد النعيم في الحديث المباشر عن الهم الشخصي ، فلا يكاد واحدهما أن يمس من ذلك الهم العمق ، بل يكتفيان بالحديث عنه من الخارج ، بالكاد تلمسه أطراف أناملهما بمعنى أنهما ينظران إلى ذلك الهم من الخارج البعيد على عكس محمود السانوسي العبادي الذي يبدأ في طرح قضاياه عن الهم العام والخاص من داخل الهم متجهاً صوب الخارج في عمق وصوب الداخل في استكشاف واستجلاء ، ولديه من المقومات الشعرية ما يؤهله للإقناع بالتجربة وبأسلوب معالجتها فنياً ليُبْقِي ما بينه وبين النقد من خلافات خارج إطار القيمة الرئيسة للتجربة ، فيكون الخلاف إذ ذاك حول الأساليب وطرق المعالجة واستخدام الأدوات التي يتحقق وجودها فعلاً بين يديه وإن غيب الموسيقا عن ضعف أو قوة .. ، والكلام نفسه ينسحب بالضرورة على أعمال عباس حمزة الذي يغرق في هم ذاتي بل إنه يكاد ينحصر في جدول واحد من جداول الهم الذاتي ، لكنه ينجح تماماً في تحويله من هم شخصي إلى هم إنساني مؤثر في كل الأنفس التي تتلقاه بوصفه همها الشخصي الذي يتحول لدى المتلقي من فرط إنسانيته إلى هم شخصي خاص يعني كل متلقٍ على حدة ، وكأنه لا يعني أحداً سواه حتى وإن كان الشاعر نفسه الذي صاغه .. إلا أن الحديث عن صوغ اللغة الشاعرة والموسيقا يطال الأربعة معاً فهي من المشكلات المشتركة بين الشعراء الأربعة الذين تناولتهم الدراسة ؛ لكني أخص الشاعرين منعم نوبي ومحمد راغب عبد النعيم بالدعوة لمراجعة أعمالهما مراجعة شاملة ؛ هناك مراجعات يسيرة لن تكلفهما عنتاً أو إرهاقاً مثل مراجعات الإملاء واللغة والنحو ، وهناك مراجعات مركبة بحاجة إلى تعلم ومراس ودربة وصبر ، وهي من قبيل مراجعات البنية الموسيقية للنص وتركيب الصورة وتطوير الأسلوب .

وما عجبت له عند منعم نوبي أنه يلتقي مع محمد راغب عبد النعيم في فكرة دقيقة لكن لها مدلولها القوي المستمد من اللاشعور ، فكلاهما أشار في قصيدة له إلى أنه يملك شيئاً ولا يملكه ، فمحمد راغب يحوز عوداً لا يملكه ، ومنعم نوبي لا يملك شيئاً غير قمر يملك نصفه والنصف الآخر اغتصبه عن غير حق .. كما يقول في قصيدته أحضان مؤجلة .. ؛ لكن محمد راغب عبد النعيم يكاد يتميز عن زميله محمد منعم في نصوصه التي نجد الشاعر فيها موجوداً وحاضراً لكن الهمة غائبة أو مغيبة ، ويكاد يماثل صاحبه أيضاً في الاستعانة بما للقافية من طاقة أدائية ، وهي في الشعر الحديث تنتمي إلى أسلوب التكرار بمعنى أنها ليست بنية فنية تقليدية كما هو دورها في الشعر البيتي وإنما هي هنا ذات دور أسلوبي من داخل النسق النفسي والدلالي أيضاً للتجربة ، وهي من المجتلبات البديعية التي تعتني باللفظ لا المدلول والمعنى ، وهي من الجوانب الحسية في التجربة الفنية ؛ هذه الجوانب التي اهتم بها الشاعر منعم نوبي في نصوصه إذ اعتني بالبعد الحسي لتجربته عنايةً كبيرة ، ربما كانت عنايته بهذا البعد سبباً وراء قناعته في صوغ تجربته بالقافية ؛ وأود أن أشير هنا إلى أن القافية أداة فنية لا تُقِيمُ شعراً ولا تنتظمُ بها قصيدة ، حتى وإن نثرها الشاعر هنا وهناك فلن تخلق إيقاعاً موسيقياً يفتقر إليه النص ويشعر بافتقاده الشاعر .

لكن لن أجور على حق محمد راغب عبد النعيم ، لذا أشير إلى أنه استخدم القافية بوعي وخبرة فنية فنجح في استمداد الطاقة الموسيقية من ورائها بفاعلية وقيمة فنية فقد اعتني محمد راغب عبد النعيم عناية بالغة بتخليق موسيقا ذات بعد صوتي جلي من خلال تلوين التقفية ، وهو جانب أسلوبي من جوانب التكرار ، يستخدم الشاعر بوساطته جانباً بنائياً لإبراز وتطوير استخدامه لأسلوب تكرار التقفية ، فنجده يوظف قوافيه في بنية غير متواترة بإدخالها في نسق بنائي خاص يسمى بالتلوين أو التنغيم وهو من أبرز سمات التقفية التي  ظهرت مع الموشحات ، فنجده في قصيدة  استغاثة مثلاً يستخدم قوافيه على النحو التالي :

الهـــوى

        الشــفـاه

                يـطيب  لي

                قــاتـلي

        منــتـهاه

الجــوى

والحق أن محمد راغب لديه وعي موسيقي نلمس آثاره في نصوصه ومن ذلك وجود قاعدة عروضية لقصيدته " جراح الحبيب " هي الرمل ، وإن كان يخلط أحياناً بين الرمل والكامل وبين الرمل والوافر ، وقد يخرج عنه تماماً دون خلط ، لكن هذا لا ينفي إدراك الأثر وتأكيد الإدراك وتسجيل العلم بالشيء ؛ والأمر نفسه يكاد ينسحب على قصيدة استغاثة ، وكذلك قصيدته " عبر خيالات الليل " التي استخدم فيها البحر المتدارك بوصفه قاعدة موسيقية لكنه خرج عنه في مواطن كثيرة أيضاً ، وقد بلغت حالة الوعي بالدور العروضي في الشعر بالشاعر محمد راغب إلى الاستعانة بالشكل البيتي في قصيدة " محراب الأشواق " إذ رأى الشاعر أنه ما دام في محراب فكل ما يتلوه فيه صلاة ؛ لذا لجأ إلى الشكل البيتي بوصفه منظماً للحالة والوجدان والمظهر الأدائي للصياغة ، لكن دون وجود فني حقيقي للشعر البيتي الذي يستلزم قاموساً لغوياً ثرياً وطاقة تعبيرية وموسيقية غير متوفرة لدى الشاعر على النحو المرجو والنطاق المطلوب ، إذ لا يملك الشاعر من أدوات القصيدة البيتية سوى القافية والقافية نفسها اغتالها النحو الضال .

على أية حال فإن النصف الملء من الكوب يدلنا على أثر الشاعر الجيد في أعماق محمد راغب ، ومن الجدير بالذكر أيضاً أن هذا الأثر العروضي ليس هو الوحيد في منظومة أعمال الشاعر فلديه لغة شاعر ولديه الابتكار الدلالي والتصوير ؛ وفي ذلك السياق تستوقفنا قصيدة " عبر خيالات الليل "  التي يخاطب الشاعر من خلالها مُغَيَّباً يختفي وراء خلفية اللوحة التي رسمها الشاعر في أفقها بحر ومن مفرداتها صراخ النوارس والصبح المجهول ، فنلاحظ في هذا التركيب أن عناصره غير منظورة بصرياً وذلك من خلال طريقتي تغييب للمحسوسات ؛ الأولى الاستعاضة عن مشهد تحليق النوارس بصراخها والثانية تجهيل الصبح وهو أيضاً مفردة متطورة ، ويؤكد الشاعر على إمكان التراسل ضمن أدواته الفنية عندما نجده يستل من عبق الريح صراخاً وكذلك في انسياب دموع الآهات فيخلق الشاعر من غير المحسوس محسوساً ، مؤكداً على تداخل المدركات ما بين المعقول والمحسوس ، وهو بذلك يستمد من تجربته ووعيه الفني ما يستميل وجدان المتلقي ليتقبل العلاقة بين التجربة ومحيطها الخيال والليل ، ثم يرتقي به في عملية التلقي حتى يفرض عليه البنية المعرفية الخاصة بالشاعر التي يشكلها تشكيلاً وجدانياً خاصاً ثم يطرحه للتلقي مؤكداً على تماسه مع حقيقة الشعر التي تبني عالمها من داخلها ، بعيداً عن أية قوانين معرفية مرصودة سابقة وتعينه في ذلك لغة شاعرة تفرض وجودها فطرة دون أن يعمد الشاعر إلى تطويرها فيما أظن .

إن لغة الشعر بين يدي الشاعر الحقيقي لا بد وأن تختلف من قصيدة إلى أخرى ، من أسلوب فني إلى آخر ، هناك قصائد تعتمد على تنسيق الصورة لتخليق انعكاساتها في النفس ، وهناك قصائد أخرى تعتمد على التصوير العباري للوجدان ، وصوغ أبعاد الألم في عرض لغوي أقرب إلى القصيدة التقليدية في صياغتها ، ولكلٍ لغته وأسلوبه وبنيته الكلامية ، ومن تباين هذه الاتجاهات الفنية للغة وأساليب الصوغ تبرز القيمة الفنية للقصيدة والشاعر معاً ؛ فلنقرأ مثلاً قول الشاعر محمد راغب عبد النعيم من قصيدة عبر خيالات الليل :

أخرج من جوف الليل

أستل صراخاً من عبق الريح

تنساب دموع الآهات

تتقسم أشلاءً .. تصلب فوق الطرقات ..

ويقول بوعي فني مغاير في قصيدته ( استغاثة ) :

واعذابي في الهوى

ناح الرباب على أكفي

واستعذب النايُ الشفاه.

وبقي لدينا من دلالات الفن لدى الشاعر محمد راغب عبد النعيم الإشارة إلى الوعي الفطري بتجاربه؛ ففي قصيدة " بعد منتصف الليل " يقدم حالة عايشها وعبر عنها بفطرية وصدق ، فما قَصَدَهُ كان المدخل لما لم يقصده ، فبدأ الشاعر قصيدته بوصف الحال ( جالساً ) وهو في جلسته هذه يرنو إلى أوتار عوده، وهو يسند ملكيته إلى نفسه بسند صريح، ثم سرعان ما ينفي ذلك عندما يصرح بأنه ( لا يملكه ) :

جالساً .. أرنو إلى أوتار عودي

الذي لا أملكه ..

ثم ينهي قصيدته بقوله :

يوكزني الشاعر الذي قد مات ..

لا تتوقف عن العزف ..

فنحن نجد أنفسنا أمام شاعر يعي أنه امتداد لشعراء سبقوه أخذ عنهم معازفهم وسافر في بحار فنونهم وهذا يفسر ملكيته للعود ونفيها في آن واحد في مطلع القصيدة ..

لكن الشاعر يبدو أنه لم ينتق العازف ولا العود اللذين يجب عليه أن يستمد منهما ويأخذ عنهما ويرث إرثهما .. ، فخرجت من رأسه عندما رنا إلى أوتار عوده ( عينين وأنفْ وشفتين ) – هذه الألفاظ الثلاثة بين قوسين – ولو أنه انتقى من يأخذ عنه ويرث منه لخرجت من أوتاره ( عينان وأنفٌ وشفتان ) واكتملت الصورة دون أن يشوهها نصب المرفوع .. لكننا نؤكد مع الشاعر الذي يؤكد محمد راغب عبد النعيم أمر موته ، مطلبه بأن لا يتوقف عن العزف ، ولكن عليه بين حين وحين أن يضبط الأوتار ويتريث في إنجاز الألحان ..

 

 

** عباس حمزة ومحمود السانوسي عبادي :

بقي معنا القسم الآخر من نصوص ونماذج هذه الدراسة ؛ ويطل علينا من خلاله نمطا الشاعرين محمود السانوسي عبادي وعباس حمزة أحمد فبينما اندفع عباس حمزة نحو الاستبطان النفسي وتتبع الجزئيات والتفصيل والبحث عن دور إنساني لأدق الأجزاء الحيوية في الحياة ومفرداتها اليومية المؤثرة عليه ؛ نجد أن السانوسي اعتنى بالإجمال والانطلاق نحو هدف فلسفي مقصود ، بل ربما كان محدداً سلفاً ؛ على أية حال سينكشف لنا أنهما أكثر مقدرة فنية وأرسخ قدماً من زميليهما الأولين ونبدأ بتجربة الشاعر محمود السانوسي عبادي وهي تجربة غضة مزدحمة بالرواء والرؤى والأبعاد ، مكتظة بالأعماق والتصورات ، فيها كثرة من الجوانب البصرية والمعرفية الثرية ؛ لذا فهو شاعر مختلف عن زملائه في جوانب عديدة ، ولولا وجود بعض الأشعة المضيئة من قنديل الخبرة الفنية لدى عباس حمزة لكان السانوسي أهم شعراء الدراسة الأربعة على الإطلاق، وهو على الدرب حتى يكون ..

فمحمود السانوسي شاعر واعٍ حتى ببعض الدقائق المهمة من خارج الفن ؛ فهو مثلاً يؤرخ لبعض قصائده ويعتني بالعمليات الأسلوبية داخل النص ؛ غير أنه يسهب أو يستكثر من صوغ القصائد وهذا اتجاه غير مردود ، لكنه قد يفقد الشاعر الكثير من التركيز الفني والتكثيف ويستهلك طاقته الشاعرة تجربةً وأداءً ؛ وكما يستكثر من صوغ القصائد نجده في بعض الأحيان يغالي في التكثيف للوصول إلى بعد فلسفي مقصود ، هذه أمور ضررها أقل من نفعها ووجودها لن يضير التجربة في شيء لكن التخفف منها يحسن صورة الشاعر ويعلي من القيمة الفنية في القصائد .

إن السانوسي شاعر متميز ، لديه طاقات شاعرة، يجب عليه أن يوجهها وجهتها السليمة، حتى يصل بها إلى شاطئ الثبات ومنطلق العطاء الجاد الذي لا تشوبه شائبة ، ولا ينغصه نقص ولا ينال منه أخذ ، فثمة مآخذ  كثيرة عليه الاهتمام بها والعناية بدفع معوقاتها وأسبابها عن مسيرته ، وأول هذه المآخذ القدرات الموسيقية التي هي بحاجة ماسة إلى درس وصقل وتطوير : الموسيقا وهي القضية المشتركة بين الأربعة الشعراء في هذه الليلة ؛ وليس السانوسي بعيداً عن الموسيقا لكنها عنده عنصر مغيب عن قصد قاصد وتجاهل لا جهل وتجاوز لا إهمال ؛ هذا هو أحسن الظن ؛ لكنه لا يمنعني من القول بأن البنية الموسيقية – لا الموسيقا – عند الشاعر مهملة تماماً إذ لا يجتهد من أجل دعم طاقته الفنية بها ، فهي وإن كانت قائمة في وجدانه بالفطرة إلا أنها منتهكة بالإهمال ؛ ولا يستطيع الشاعر نفسه دفع هذا الاتهام بالاستعلاء والتجاوز والتخطي والاستعاضة وغيرها من اصطلاحات الناثرين من كتاب النصوص ، فمثلاً قصيدته " أمان الله " سلكت طريق الرجز ؛ إلا أن الشاعر لم يكلف نفسه عناء المراجعة الموسيقية للنص وإقامة ما اعوج منه عروضياً ، فترك القصيدة على ما هي عليه ، وكذلك الحال في قصيدته " أبعد رؤاك يخلد داخلي ندم " ، التي يقول الشاعر في مطلعها :

أبعد رؤاك يخلد داخلي ندم ..

فما ضيعت من عمر أعيد إليّ

وما أشقيت من روح

وما أفنيت من شرف الحياةِ .. أضأت شمع الموت في قلبي ..

هذا هو الوافر ( مفاعلتن ) ، لكن الشاعر يخرج عنه إلى الكامل ( متفاعلن ) أي مقلوب التفعيلة :

ومنحت لي قدري ..

فلا أمقته ..

ولا أمنعه من جسدي ..

إضافة إلى الكسور العروضية والهنات المتناثرة هنا وهناك ؛ لقد حاول الشاعر في قصيدته " أمان الله " أن يسلك طريق بحر الرجز موسيقياً إلا أنه لم يصطبر عليه ، فخرج عن نسقه مرات عديدة وانساق وراء الصوغ النثري كثيراً ، وكان بإمكان الشاعر أن يراجع نصه موسيقياً ويُقَوِّمَ ما اعوج منه ، مادام هو نفسه أراد ذلك النسق منذ البدء باختياره النسق العروضي لصوغ التجربة واختياره بحر الرجز وهو بحر سلس يسير من السهل على الشاعر  أن يطوع له كلمات قصائده لما للبحر من غنائية واضحة تمكن الشاعر المبتدئ من معرفة مواطن الكسر العروضي عند الكسر ومعرفة مواطن الاستقامة العروضية عندما تستقيم ..

ومن الملحوظات حول تجربة هذا الشاعر أيضاً اللغة وتراثها النصي والقاعدي معاً والانسياق وراء مغريات الذاكرة ومجتلباتها كما هو الحال في انزلاقه وراء متناصاته ، وكأنه يثق في النص المجتلب أكثر من ثقته في قدرته على الإبداع والإتيان بجوهر الفكرة وصوغها .

حقيقة ربما يهب التناص أو الاستمداد أو التوازي أو التقاطع مع نصوص سابقة راسخة شيئاً من الحيوية والعمق للنص ، لكن كل ذلك لا بد وأن يتم بحذر وتوجيه واعٍ من الشاعر نفسه ، هنا يصير للتناص قيمة ومعنى ، لكن حشد قدر كبير من الإشارات التي تحمل المتلقي إلى نصوص أخرى يثقل النص إن لم تكن تلك الإشارات ذات دور معرفي مستقل وموظف توظيفاً ما هراً في النص، كما هو الحال في قصيدة " عملة أهل الكهف " المثقلة بالإحالات إلى حوادث وشخصيات ونصوص تاريخية متباينة .. ، فمثلاً في أسطر يسيرة نجد أنفسنا اندفعنا إلى طرقات غير متشابكة ، كل طريق منها يؤدي إلى شتاتٍ بعيداً عن النص :

جاء من أقصى المدينة

رجل يخشن الخنجر كي يترقق ..

أقتلت نفساً زكية

لكن لا يعني هذا أن التناص عند الشاعر لم يكن موظفاً توظيفاً فاعلاً باطراد ؛ على العكس من ذلك فهناك نماذج جيدة استطاع أن يهب نصه من خلالها امتداداً وقوة وعمقاً وسقفاً ثقافياً فاعلاً ؛ ففي قصيدته " إليهما " نلمس بين ربوعها فيوضات شفيفة مختلطة بالسمو والبحث عن منفذ للكشف الصوفي، كان في هذه القصيدة أقرب إلى مفهوم التصوف المسيحي، ودلنا على ذلك أنه منذ الفظة الأولى في القصيدة ( يا حبيبي ) يذكرنا بسفر نشيد الإنشاد ، ثم يؤكد الشاعر ذلك الظن عندما يستمد فعلاً من نشيد الإنشاد :

يا حبيبي .. أنقى من الصبح عينيك ..

     وأبهى من الحب شفتيك ..

وأبرز ما يسترعي الانتباه في هذا الجانب هو ما يحمله الشاعر من وعي جاد بالموروث الإنساني والثقافي وصوغه لتجارب غير مستهلكة المضمون فيها من الشمولية والشيوع ما يجعلها إصبعاً تشير إلى قضايا كبرى أو صغرى لكنها على درجة عالية من الأهمية ؛ فعلى سبيل المثال قصيدته " المارد والتجار الأقزام " التي تتحدث عن الاستعمار الذي لبس ثوب تجار التبغ أول الأمر ثم أخذ يستشري ويتسع ويكشف عن مقصده الرئيس حتى استغرق العالم كله ، مسقطاً ذلك على واقعنا المعاصر واختلافنا على أنفسنا وتسامحنا مع أعدائنا وبأسنا الشديد بيننا وكأننا في العالم المعاصر تحولنا إلى أدوات بأيدي أسلاف تجار التبغ وصرنا نحن عمالهم في تجارة التبغ والأسلحة نبيعها ونشتريها ليحارب كل منا الآخر :

عاد التجار الأقزام الموتى .. أحياءً

أول ما فعلوا .. ملكوا ملكي ..

ملكوا كلمة صدقي ..

ونلاحظ أن هناك علاقة بين امتلاك الملك هنا وبين رجاء الشاعر في قصيدته " الزاد " أن يملك الشيخ الإمام ملكه :

وبعد هدوء صراخي وغروب بلائي ..

أنقذت العينين من العبث بأقدار مختنقة..

أُرْسِلْتُ إليها كي تتحرك ثانية ..

استنطقت إمامهمُ ..

لماذا لم تنزع مني شارة ملكي فأنا جاهل .. لا أعلم أركان الفرض ..   

وإذا ما كان الشاعر ذاتاً تائهة لا ترى في العالم من حولها خيراً بعد أن صرنا عملاء لأعدائنا نصفع في كل صباح وجوهنا في سبيل رضائهم عنا؛ إلا أن وجدان الشاعر وجوهرة نفسه لما تزل نقية ناصعة صلدة لم تكدرها أسمال ولم تلوثها أحقاد وتدابير، فهو لما يزل يرى الشيخ الإمام الديني بعيني مودة ومحبة، بعينين جميلتين محبتين صافيتين، يقول:

كان الشيخ عميق العينين طويل القامة ، ولديه لسانٌ عَطِر

حنجرة حانية ، صافية رطبة ..

لذا فإن العلاقة بين القصيدتين قوية كلاهما رحلة للبحث عن الزاد والوطن ثم يطور الشاعر رؤيته ليدخل بها إلى دائرة التغيير مستحضراً صورته طفلاً في قصيدة ميلاد آخر ، كما يحاول أيضاً أن يلتقي بزمنه كما التقى ماضيه وطفولته ، فيبحث عن زمن أحلامه والحياة فيه ..، فاللقيا على هذا النحو هي شرط التواصل وشرط التفاعل وشرط التحقق ، لكن زمنه محاصر في قلعة من قلاع الموت ، كما في قصيدة " فتنة الإيثار " .

ويظل الإنسان بعامة مناط بحث الشاعر وقضيته الكبرى مما يجعل عمله أشبه بالعملة الرائجة ، وقد استهل نماذجه التي بين يدي بقصيدة مميزة هي " الخلق " ؛ لقد اعتنى فيها الشاعر بأمور عديدة حتى التشكيل البصري للكتابة ، وقد تحدث الشاعر في هذه القصيدة عن بنية الاستثناء والأصل ، في نسق محكم يبدأ من الإنسان وينتهي به حيث حاول الشاعر أن يثبت للإنسان صفة إنسانية مميزة بدأت في أول النص بكونه هلوعاً ، لكن الشاعر اكتشف في آخر نصه صفة أكثر التصاقاً بالإنسان ودلالة عليه وهي كونه ( جهولاً ) ؛ فالبنية الفلسفية في النص قوية وواضحة ، لو سامقتها البنية الفنية لكنا أمام شاعر عظيم ، وهنا يحق عليَّ أن أذكركم وأذكره بقول المتنبي :

وَلَم أَرَ في عُيوبِ الناسِ شَيئاً       كَنَقصِ القادِرينَ عَلى التَمامِ

ففي قصيدته الخلق مقطع كامل حوله الشاعر إلى مقالة حول الفكرة ؛ فقال :

حضارته كمبيد حشري .. 

وعليه يحدد ما سيبيده قبل نفاذ العلبة ،

حتى لو قرر أن عليه إبادة عمره ..

لو كان تصورنا للذات هو الذات

لفشلنا أكثر مما تتحملنا الأرض .. ، 

ولوقعنا في شرك نوراني يحرق قدرتنا

فالشاعر عادة ما يعتمد على بذل الخبرة من خلال خطاب التكثيف المشبع بالحكمة أو التلخيص التوجيه ، والأمر نفسه يمكن أن يجري على قصيدته الزاد التي تقدم صراعاً نفسياً بين الذات والواقع المحيط وبين الذات والذاتية ؛ ولن أغفل هنا الإشارة إلى أن الزاد قصيدة نثرية جيدة وتعد مقارنة بنتاج الشاعر مثالية بنية وموضوعاً ، فهي مكثفة متصاعدة ، فيها صراع درامي جيد وفيها كذلك تنسيق وجداني ، وفيها موضوع إنساني مميز يشتمل على دورة إنسانية حميمة ، وليست هذه القصيدة بدعاً بين قصائد الشاعر النثرية ، وإنما نماذجه النثرية جيدة ومن ورائها فكر ناضج ووعي قادر على الرؤية الواضحة واستقراء المضامين وتوقع النتائج وما يعتورها من قصور تثقفه الأيام وتصقله الخبرة ، فهو غير مؤاخذ عليه وإن تعلق برقبته . 

من بين نماذج الشاعر التي بين يدي قصائد كثيرة بحاجة إلى مراجعة شعرية ، فقد سقط الشاعر في شرك لم يهرب منه كثيرون من شعراء قصيدة النثر ولم يستطع جلهم الفكاك من ربقته ؛ إذ ظن أن قصيدة النثر نثر مطلق غافلاً عن الدور الفني المركب لقصيدة النثر التي تقدم نسقاً شعرياً متكاملاً ، ثم تعوض عن نقص البنية العروضية بالتكثيف وفنيات الأداء الأسلوبية المنوعة ، لكن الشاعر استخدم في عدد من قصائده لغة مستهلكة تقصد المعنى الغفل مباشرة دون فنية في الأداء أو قيمة في الصوغ ، وظن أن ما يدعمها به من تناص أو صور جزئية ينثرها هنا وهناك قادرة على تعويض نقص التراكيب الأسلوبية الشاعرة التي يشكو من فقدها النص على الرغم من قدرة الشاعر على إنتاج أنماطها ومثيلاتها ، مثلما هو الحال في قصائد ( من أين الهزيمة ) ، وبعض أجزاء من قصيدة ( عملة أهل الكهف ) ، و ( تضفير الألم ) ، و ( المارد والتجار الأقزام ) ..؛ ومن أمثلة هذه التراكيب الشاعرة قوله :

فلتتأخر عني يا ظلي ..

حتى لا أشعر أنك مخبوء كاللص وراء ضيائي

حتى لا أشعر أنك كنفاق يتسرب في أحلام الطين

يمرر فتنته في كل الأمكنة .

هذه الملاحظة تدفعني إلى دعوته لدراسة التشبيه التمثيلي من البلاغة العربية وكذلك نظرية الصورة أو النظم بدءاً من الإمام عبد القاهر الجرجاني ومحاولة وصل الأصل بفروعه وربط الماضي بحاضره .

بقي أن أشير إلى أن رؤية السانوسي أكثر عمقاً وثقافة من رؤية زملائه ، لذا ظهر نص السانوسي مزدحماً بالأفكار والتفاصيل بينما اقتصر نص زميله عباس حمزة على التراكيب العبارية وتجسيد الصورة وصولاً إلى معانٍ ضيقة ومحدودة وشديدة التكثيف ، وقد أفاد ذلك في أحايين كثيرة فكان عباس حمزة أقرب إلى الشعر أقصد جوهره من السانوسي وساعد على ذلك ما لدى عباس حمزة من خبرة ودربة ؛ بينما السانوسي استطاع أن يخلق حالات شاعرة وكيانات نصية ذات حيوية فكراً ودلالة ، بينما سقط الفرسان الأربعة في بئر الصوغ ، وانهزموا جميعهم في معركة الموسيقا وتفعيل سيادة لغة شاعرة على مدار النص بتمامه وإن استطاع عباس حمزة ومحمود السانوسي تثوير اللغة وتفجير دلالاتها وابتكار دلالات جديدة وعلاقات مدهشة من خلال تراكيب جديدة .. 

نأتي الآن إلى عباس حمزة وهو أكثر نماذجنا رسوخاً واتزاناً ؛ القصيدة عنده جسر الممتد بين الآه وبين الذات ، فهي التي تخلق الرؤيا وتتخلق عنها ؛ وأول ما يطالعنا في تجربته قضية اللغة الفنية ؛ فلعل من أبرز القيم الفنية عند عباس حمزة قيمة العلاقات اللغوية ، وهي من القضايا الرئيسة في أعماله، إذ تطالعنا بدءاً من عنوان ديوانه ( دفء الأصابع )، وهي أجلى في عناوين بعض قصائد الديوان مثل " رائحة الهجر " ، و " صقيع الفرقة " ، و " ترانيم الحرائق "، و " صهوة الدموع ".. إلخ .. كما تكثر في صوغ عباراته وأسطره الشعرية في قصائده ..

وقضية العلاقات هذه تعود إلى التركيب الأولي اليسير وإلى الصور المركب التي قد تستغرق قصيدة بتمامها لكنها عندئذ تكون قضية بنيوية أكثر تعقيداً ؛ وإذا كنا قد ضربنا أمثلة للعلاقات اللغوية الأولية المتعلقة بتخليق الدلالة وابتكار مجالاتها فلنضرب مثلاً للبنية المتكاملة المركبة بقصيدة وصف وهي أول قصائد الديوان ؛ تبدأ القصيدة بفعل الأمر " صفني " مضمناً داخل بنية خبرية " قالت : صفني " وهنا تثوير لمشاعر الترقب لدى المتلقي الذي يتوجه له الشاعر بالحكاية عن الماضية ، منتظراً ما ستنجلي عنه الأحداث بعد جملة الطلب " صفني " ، وفعلها في ذاته يوحي بفرض الذات وترسيخ الذاتية والرغبة في سماع المدح  ؛ فالتي تطلب إلى الشاعر أن يصفها لا تطمح من وراء ذلك إلى سماع وصف مباشر ومحايد وحقيقي وصادق ، وإنما ترجو وحسب أن تسمح مديحاً وإطراءً وغزلاً صريحاً ، فالوصف هنا بديل عن الغزل ويحمل المعنى نفسه ، وقد أجاد الشاعر إجادة كبرى في صياغة نصه باستخدام أسلوب تكرار فعل الأمر صفني على رأس مقاطع القصيدة الستة ، بما يؤكد إلحاح الحالة وأهمية الرجاء بالنسبة للبطلة أو المرأة التي ترجو الوصف وتطلبه ، ثم يختم قصيدته بالسؤال الذي يتخذ منه جواباً لطلبها ، وهنا اتجاهان أسلوبيان : أولهما كون السؤال بحاجة إلى إجابة ، مثل الطلب نفسه ؛ ثانيهما جواب طلبها سلباً باستنفاد الحالة وعدم القدرة على الوصف لأن هذا الأمر بحاجة إلى تشبث بالرغبة والتصاق بالحياة ، بينما هو في هذه الأثناء كان يعد خطاه منطلقاً صوب القبر والفناء .. ؛ وبالميكانيزم نفسه الذي بنى عليه الشاعر عباس حمزة قصيدته ( وصف ) بنى قصيدة ( يا أيها القلب اتئد ) ؛ وهي قصيدة تتركب من أربعة مقاطع ، الثلاثة الأُوَل منها تبدأ بجملة النداء " يا أيها القلب الذي .. " ، والمقطع الرابع والأخير يبدأ بجملة " يا أيها القلب اتئد " .. ، والشاعر هنا ذو سلطة على قلبه فيعدد عليه حالاته التي يجب بسببها أن يقر ويتئد ، فهو قلب معاند متمطي متطلع ، ثم يأتي المطلب الذي يستقيم معه القلب في صورة يطمح إليها الشاعر ، أولاً هو يطلب إليه أن يتئد ثم يطلب منه أن يعظ نفسه بألا يشيب ، أي يظل فتياً ، ثم لا يترك هذه العظة دون تأطير حتى لا ينساق القلب وراء طلب الفتوة هذا ويظن أنها دعوة للانفلات ، فيطلب إليه الشاعر أن يرفق بخله وأن يفارق الهمس اللئيم ، ثم يعلل الشاعر طلبه هذا بأن الحياة ما هي إلا عبرات يزرفها الموت .. فالحياة إذن منحة الفناء ..

إن عباس حمزة يملك ذخيرة من الحكمة والخبرة بالحياة تؤهله لصوغ عباراته الطلبية بأسلوب حكيم مكثف وقاطع، هذه الخبرة جعلته أثرى الشركاء في الاستخدام الشعري للألفاظ فهو قادر على الابتكار والتخليق والهدم والبناء، فمثلاً قصيدته " أفكار سكرى" يتأهب المتلقي لخوض تجربة متهرئة لا علاقة فكرية محددة تربط بين أجزائها بمعنى كل ما يحيل إلى معنى السكر وتغييب العقل ، لكن المفاجأة والدهشة التي ينتظرنا بها عباس حمزة عند ناصية القصيدة تهدم كل توقعاتنا وتعيد بناء حدسنا وتصوراتنا حول التجربة وفق مفهومه الخاص الذي يفرضه بسلطة النص فالسكر هنا يتحول إلى مفهوم مساوٍ للرؤية والإبصار وكأنه ليس تغييباً للعقل بقدر  ما هو كشف وانفتاح على كل المستغلقات والمخبوءات :

 

هـئ ..  { جدع أنا }                      = وبالمناسبة جدع أي مقطوع الأنف ..

أقيم حدود السكر

فلا قوة تنهاني عن فعل الخمر

أتمسح بقميص اليوسف

فيرتد السكر إلى عيني

أبصر أشياء .. تلعن أشلائي

وتعيد صياغة خارطتي بمداد الموت

وتحدد  أن من يطرق باب حياة

فليلج الآن هذا القبر

الشاعر هنا يقوض المفاهيم المطروقة المتعارف عليها سلفاً ، ويعيد صياغة مفاهيم جديدة يكسبها أبعاداً خاصة هو القيم على صوغها وتوجيه مضمونها حسب إرادته ؛ فالسكر استحضار حالة بدلاً من تغييبها ، وكذلك الموت يعيد صياغة خارطته بدلاً من استلابها ، وبالمفهوم نفسه يطرح الشاعر رؤيته على الآخرين ويدعوهم كي يدخلوا الحياة من باب القبر .. ، فليست هذه إذن مرحلة سكر ولا ذهنية سكِّير ، إنها مرحلة وعي تام بفلسفة إنسانية عميقة ذات موضوع واتجاه :

هئ ..  تسعون عاماً إلا اثنين على اثنين إلا اثنين ..

هذا الهم القابع في العينين .. 

فهذا الوعي وعي رياضي مركب ، وأظن أنه من غير المتاح لعقل مغيب أن يركب عبارة منطقية رياضية مثل العبارة السابقة ..، لكن استدراكنا هذا سيتبدد سدى عندما نكتشف بعد ذلك أن هذا السِكِّير يشرب من دمع عيونه ويستمد من ظلمة رأسه ثلج كأسه ، ويملأ أكوابه من نار القلب ثم يشرب دفئه .

ومن أمثلة القصائد المتكاملة التي توضع في القلب كأنها جملة واحدة ؛ قصيدة " رائحة الهجر " ؛ هذه القصيدة تمثل صورة كلية جيدة ترسم حالة رجل يترقب قلباً هجر أحبته ليعود من وراء أسداف النسيان يقطر عشقاً ويلقي بالماضي وأنين الغربة في أتون التسامح .. ، فالقصيدة فكرتها جيدة وبها جمل شاعرة ، مصوغة بعناية لاسيما العنوان نفسه ، لكن الشاعر يشتط في صوغها ، وبخاصة في افتعال الحكمة في الجزء الأخير من القصيدة ؛ ويبدو أن السطر الشعري الذي استهل به قصيدته " رائحة الهجر " قد استهواه كما استهوته القصيدة نفسها موضوعها وصوغها ، فأعادها ولكن بنسق فني آخر بعنوان " صقيع الفرقة " ، ولا يخفى ما بين " رائحة الهجر " ، و " صقيع الفرقة " من تلاقٍ في المضمون وتماثل في الإزاحة اللغوية ؛ والدور الاستعاري للرائحة هو نفسه الدور الاستعاري للصقيع ؛ لكني أشير هنا إلى أن الخبرة الفنية عند الشاعر – وهي من الأمور ذات الثقل الفاعل ولها في نصوصه دورها المهم – جعلته يسترجع الاستبانة بالسؤال " هل عاد " مجسداً حالة حميمة من القلق والترقب تسوغ له العودة مجدداً إلى السؤال عن عودة القلب الذي غيبه النسيان .. ، إضافة إلى أنه في قصيدته صقيع الفرقة حصر حديث العتاب في مكالمة هاتفية هي التي كان يترقبها وينتظرها ، أو أن الهاتف هو نفسه الذي حمل له رصاصة الفرقة التي أردته وحملته إلى ركب ضحايا هوى المحبوب ..

ومن النقاط التي أحسب أنها مهمة يجدر بنا الإشارة إليها هو ظهور الاتجاه النفسي المسيطر الذي يخلق اتجاها فكرياً مؤثراً في الصوغ وهو ما يمكن أن نسميه بصمة الشاعر، هذه البصمة لا يملكها من بين شعراء الدراسة إلا عباس حمزة لأنه شديد الحساسية وله وجدان مادته شفافة ومراياه كاشفة ؛ ومن الأمور التي تدفعنا للحكم عليه بهذه الميزة وجود حالات وجدانية تنتظم الديوان في جل قصائده حتى ليسهل علينا أن نكتشف أنها كلها لشاعر واحد بل ربما لا نغلو إن قلنا إن الديوان أشبه بالقصيدة الواحدة المكونة من أجزاء ، ومما استرعى انتباهي في هذا الصدد عدة نقاط من أبرزها قضية نفسية هي " الإحساس بالزمن "

بدأت مرحلة الإحساس بالزمن في هذا الديوان مبكراً، ربما بدءاً من العنوان نفسه الذي يبحث عن الدفء المحسوس، يأخذه أو يبذله أياً كان الأمر فالشاعر بحاجة للاثنين معاً، ولا أريد أن أنساق للحديث النفسي عن المرحلة العمرية التي تُسمى في علم النفس بأزمة منتصف العمر، وتبدأ في الأربعينيات بالقسوة ومحاسبة النفس والشعور الدافق بفراغ الكأس وانتهاء الدور أو الوجل والخوف والترقب من القادم والشعور بثقل المسئولية المنوطة بالفرد في تلك المرحلة، لكني أقول إن هذه الأزمة ظهرت بقوة في ديوان عباس حمزة، ففي قصيدته " عتاب " نجد إحساسه صارخاً بالزمن والتقدم في العمر :

ولائمة عليَّ  

والقلب تكفيه الظنون

على ساعديك أنادي هواي

ألوم احتباسي بدرب السنين ..

وفي القصيدة نفسها يقول :

أخطو إليك بشيب السنين ..

ووصل الأمر للحد الذي جعل الشاعر لفرط إحساسه بالعمر يتخذ من العمر مقياساً للرؤية والحكم على الأشياء.. كما في قصيدة ( من وراء شبابها ) .. وهو يرجع كل فتوحاته إلى الخيال بل يتجاوز ذلك فيصف نفسه بأنه " خيال من ورق " :

أبحث في دفتر الأشواق عن تذكار مشوهٍ ..

في صفحة الحب المهاجر في الغضب

عن اشتعال النارِ في  خيال من ورق ..

سارت تنتهب المسافات ..

تصارع أحشاء الهوى

تلقي ما تبقى مني  في آنية من سغب ..

إنه شعور جارف بالتلاشي وهو تطور منطقي لشعوره بأنه صار كياناً متهرئاً :

فأبحث في ثقوبي عن معنى للهرب ..                     [خيال من ورق ، ص 15]

ويقول :  في انين الصوت المتدفق على بعض بقايا الذات     [ توهمات الرؤيا ، ص24]

فعند استبداد الشعور بالشيخوخة في أزمة منتصف العمر هذه ينبذ الشاعر الشفقة ويرفضها :

تصفعني لاءات العفو

أتمايل ما بين ذرات العطر المحترق

على فحم القلب المشتعل

ويزداد انزواؤه وانطواؤه وتغلغله داخل الذات :

أتعمق في ذات الذات

أنتفض من هول اللقيا

بين الآه وبين حروف الكلمات ..

لكنه مع الخطوات الأولى من الحبيب يجيبه مهرولاً وتلتئم جراحه :

وتأتيني بقاياي بحروف في الدرج الأسفل من روح حبيبي

: لن أغضب منك

فأداوي الجرح ..

عندئذ يبحث عن المكان الأمثل للقاء محبوبته فيجده في النوم عند ركن الرؤيا :

وَأُسَيِّرُ خطوات النوم .. كي ألقاه ..

مع هذه النفسية ، نفسية الأزمة ، تشتد مشاعر الحاجة إلى المرأة :

زفي رجوعك ..

ما عدت أحلم .. بسطوع شمسي دون مرآة القمر ..

هيا افتحي ..  باب المودة واغسلي غرف الفؤاد وزينيها بطلعتي .. 

ومن ثم اجترار عواطفه المتعلقة بالمرأة بعامة :

أجتر سعادات زاغت

بين الآه وبين الرفض ..

وربما يصل إلى مرحلة الزهد التام فيقرر أن يقتل رغبته في الرجوع إليها وأن يشرع طريقه على خطوات التناسي :

والقلب قلبي ..

على خطوات التناسي .. دق الطريق ..

لكن أنى له أن تتم هذه الخطوة وعلاقته بالمرأة علاقة نهمة كأنه يدور في حلقة لا يدري أين ينتهي دوره، وهو كلما ارتوى استبد به ظمأ جديد، وهو ما يسميه الفلاسفة وعلماء الكلام العرب الدور والتسلسل أو كما صاغه الفلاسفة السوفسطائيون في سؤالهم الشهي عن الأصل في الخلقة البيضة أم الدجاجة ؟ ليترسخ في الذهن الشيء ونقيضه معاً:

ملت إليها والفؤاد يضطرم

ويزيد في نهم العيون حنينها

أبعدتني .. فصحت : - هكذا أنا ..

كلما ارتويت .. أهلكني الظمأ

وبهذه النفسية المسيطرة يعيد ترتيب حياته :

قد أنهي بعض حياتي ..

إذ تبقين بعيداً عني

قد أهلك نصف الوقت

في تنسيق الضائع من أشلائي ..

والباقي أصعده

بحثاً عن ذكراك ..

ويوقف الشاعر جانباً كبيراً من شعره على تتبع أبعاد وأحوال علاقته بالمرأة ، وهي علاقة صد وهجران وفرقة في أغلب أحوالها .. ؛ فيطمح الشاعر في استعادة الحيوية والشباب والقوة لحياته العاطفية بتشذيب تلك الحياة وتخليصها من الأجزاء الشائخة والتالفة .. كل هذه الأمور تستلزم جرأة خاصة تغلفه كثوب كاسٍ :

فلنلبس ثوب جراءتنا

وليفتح كل دفتره

نتريض بين أنامله

نجتث الشائخ والتالف

كي تزهو كل فسائله ..

وبهذا يخرج الشاعر من أزمة منتصف العمر بقلب متجدد يطمح في استعادة القوة لحياته وإرجاعها سيرتها الأولى فاعلة .. نضرة مكتنزة بالحيوية والشباب ..

بقيت لدي إشارتان تأخذان على الشاعر نسقاً من أنساق التقصير وهما ككل الملاحظات السابقة ليست موجهة لشاعر بعينه من بينهم ، بل هي موجهة لجميعهم وعلى الشاعر الواعي أن يستفيد من أخطائه أولاً وألاَّ يضيع على نفسه فرصة الإفادة من أخطاء الآخرين وأن يتعلم من مجموعهما وهذه هي نصيحتي الصادقة للشعراء الأربعة .

الإشارة الأولى تتعلق بعلم العروض وموسيقا الشعر وهي ملاحظة مشتركة؛ لقد سبق لي العلم بأن عباس حمزة توقف عن الشعر عشر سنوات ثم عاد إليه وكان في البدء يكتب القصيدة البيتية التقليدية ثم ها هو ذا يكتب قصيدة النثر لكنه من بين قصائد ديوانه أطلت علينا قصيدة " التثاؤب في العروق"، ترفل في حلة من الموسيقا تنتسب إلى بحر الكامل؛ لكن يستشري فيها الكسر والهنات ..

أما الإشارة الثانية فهي تحليلية وموجهة أيضاً إلى الشعراء الأربعة لكن عباس حمزة أنموذجاً إن جاز التعبير ؛ وأتخذ من شعره قصيدة " انتحار الرجوع " ميداناً لذلك ؛ إذ أود أن أشير إلى استخدام المفردات في لغة الشعر وقد أثار هذه النقطة في نفسي لفظ ( رتم ) إذ أعتقد أن الشاعر استخدمه قاصداً مدلول الكلمة الأجنبية Rhythm بمعنى التناغم أو الإيقاع، وهو لا يقصد اللفظ العربي ( رَتَم ) وهو في بعض مفاهيمه يعني الدق والكسر فنقول رتم أنفه أي ضربها ، وهي شجرة يعرفها إخواننا هنا من أهل النوبة ممن تعاورته الأمكنة وساح في مجالي الأرض ، لأن الشاعر لو قصدها عربية لقال:" عند رتم " أو تحته أو في ظله لكنه قال " على رتم من بكاء "، فلو أن الشاعر استخدم رتم بوصفها لفظة عربية لأعطته ظلالاً وارفة لنصه كما تعطي المسافر ظلاً وأمناً، ولاتسقت مع ما يتلوها من ألفاظ مثل الهوى والأعواد والبتلات؛ أما وقد وصلنا إلى البتلات فلنتأمل قوله :

على أنين بتلات

يحدوها انفصال الروح عن البدن ..

البتلة هي الفسيلة التي تنبت منفصلة عن أخواتها فإذا اختزلنا الروح والبدن إلى الجزء والكل نجد أن الشاعر يرسم حالة البتلة المنفردة وكأنها تئن وتبكي وحدتها..؛ أقول هذا، ثم أعود مؤكداً على أن الشاعر لم يقصد ذلك البتة ، أنا لا أقصد تماماً النَّيل من الشاعر أو التقليل من قدره اللغوي والمعرفي وسلطته على اتجاه الدلالة في النص ؛ ولكن صار ديدن الشعر الحديث بعامة اليوم هو عدم استغلال طاقة اللفظة ، أو العناية بدورها في النص ، وبخاصة أولئك الذين استاقهم تيار النثر فانجرفوا دون قدرة ذاتية على امتلاك ناصية القصيدة بكل أبعادها وبخاصة الدور اللغوي الذي صار هو الكيان الفرد الرئيس بعد غياب الموسيقا .. ، إنني مع إقراري بأن هناك على مستوى الصورة الكلية فكرة جيدة ومشاعر إنسانية جياشة لدى معظم شعراء النثر ، لكنها ليست كلَّ شيء ، ناهيك عن كونها ليست هي الشعر، إنما هي مادته التي يمكن أن يصوغ منها الشاعر قصيدته ..؛ ويدخل في سياق عمل هذه الإشارة أيضاً ما نستطيع أن نحصل عليه من جمل غير مقبولة شعراً على الإطلاق مثل تتالي المتضايفات وبخاصة المنكرة ، إذ يستشري في أمثالها الثقل والملل والرتابة .. ، فهي أيضاً من المآخذ التي تثقل كاهل القصيدة عند عباس حمزة وغيره من شعراء الدراسة بل وشعراء النثر بعامة بل هم الشعراء على إطلاقهم إلا من رحم ربي؛ فكثرة المتضايفات وبخاصة إذا تخللتها متضايفات منكرة، تثقل كاهل لغة الشعر، مثل قول عباس حمزة :

في رعونة أختام حالة الوله ..

ومن القبيل نفسه صياغة عبارات غير مقبولة دلالياً ؛ إذ لا تؤدي معنى مفيداً له دلالة متكاملة مثل قول الشاعر أيضاً في انتحار الرجوع : قمت أنتحر الرجوع ..

وأخيراً وليس آخراً أود أن أشير إلى أن هذه جملة من الملاحظات ليست أكثر من حديث صديق يبتغي الصدق أولاً ، وحسبي أن أذكر أصدقائي شعراء الدراسة بالقول الحكيم الذي يقول : " صديقك من صدقك لا من صدَّقك "، وأنا أصدق أنكم شعراء تلبسكم روح الشعر وفيوضاته ، لكني أصدقكم الرأي والرؤية طموحاً إلى مكانة أعلى ودرجة أسمى .. لكم ولأعمالكم ..

 

 

 

ثم أما بعد فلكم المودة

صديق محبتكم

علاء الدين رمضان

alauddineg@yahoo.com
http://come.to/alauddin

ساحل مدينة طهطا في : الأربعاء 22-6-2005 الموافق 15 جمادى الأولى 1426هـ

أقيمت الندوة بقصر ثقافة أسوان بتاريخ الخميس 23 من يونية 2005 الموافق 16 من جمادى الأولى 1426هـ

(0) تعليقات


<<الصفحة الرئيسية