واحة الدهشة
ساحة لنشر إبداعات في الأدب والفكر و الفن
عندما يذهبون

مجتزأ من رواية
 
 للشاعر إبراهيم سلامة
 

#    إلي البنات اللاتي يقتلن أنفسهن من  أجل

       أحبائهـن ومن أجل حلم آخر يغير الواقع ،

#    وإلى قبــر أبي في [ أبو ياسين ] الذي

علمني اليتم .

[ 1] 

ما الذي يشعرن به ، في الوقت الذي يقتلن فيه أنفسهن من أجل أحبائهن ، وما الذي يشعرن به في الوقت الذي يذهبن فيه إلى القبر فرادا، ويقفل عليهن باب من طين ، كانت لهن قلوب يعشقن بها ، وكانت لهن أعين يرون بها كل شئ جميل وقبيح ويرون بها أجسادهن تتحرك في المرآة كأنهن الحوريات ، أو اللاتي تحدثت عنهن الكتب المقدسة بأنهن بنات الجنة .

لهن شعور طويلة وعيون عسلية وسوداء ولهن صدور نافرة مدببة ونظرات قاتلة  – كن ساحرات في الجمال  – كأنهن الجنة والجحيم معاً ، وكأني وأنا أكتب عنهن أراهن عرايا أمامي ، أصفهن من أسفل لأعلى ، قليل أن أقول أنها الجنة بعينها ، شلالات من الفرح والجمال والمتعة المتسرسبة في الروح ، كانسياب الماء ببطيء من أعلى لأسفل ، كل هذا ينتهي ويكتب على أبواب القبور أسمائهن وتواريخ عربية وإفرنجية .

باقة ورد للفتيات اللواتي قتلن أنفسهن من أجل شخص ، ربما لم يحبهن أو أحبهن ولكنه نسي هذه الورود التي تذبل في التراب بعد قليل جداً ،  إلي النسوة اللاتي وهبن حياتهن بعد موت أزواجهن للأولاد فقط .

[2 ]

يوم الأربعاء 10- 2- 1999 ، قال لي أخي وأنا قلبي ملئ بالحزن ولا أفارق السرير – عندما أحزن أنام كثيراً – نذهب لنرى جنينة الليمون التي بالترب [ المقابر ] ، كان وقت الغروب والدنيا تدخل في الظلام ، ماشي في الترب أقرأ أسماء الميتين ، تواريخ قديمة وجديدة ، وأثر لأقدام الكلاب بين القبور ، وجريد نخل أخضر مزروع على رؤوسهم وشجر [ كازورين ] دلالة عن الحزن الشديد ، قبور مكتوب على يافطتها الرخام أسماء لبنات بنوت أتذكرهن أو أتذكر واحدة منهن بالذات كانت تقف كل يوم وأنا أذهب الى المدرسة وهي صغيرة في البلكونة الطين أمام بيتهم [ عبير محمد الشبراوي ] أتذكر شعرها الجميل وهو  يملأ ظهرها من الخلف ورموشها الكثيفة الطويلة السوداء ، وحواجبها المنسقة وشفايفها الموردة الحمراء التي تشبه لون الورد .

 

11 يناير 1991 م تاريخ وفاتها ودفنها ، ما زالت بنت بنوت ، لم أحضر جنازتها ولكني لا أتخيل أي نعش هذا الذي حمل فتاة جميلة مثلها وفي مثل هذه السن ، ما حال الناس الذين يمشون خلفها ويضعونها في مثل هذا القبر المظلم ، أي يوم هذا الذي يحمل كل حزن الأمهات والأباء - في مثل هذه الحالات - والذي يحمل كل هذه الدموع انه يوماً لا أذكره  .

 [3 ]

يوم الخميس 11-2-1999 م أذهب للمدرسة التي أعمل بها وهي تقع في نهاية شارع " سعد زغلول " في مركز أبو كبير وبجوار الترب آخر مكان في السكن ، ولكي أذهب إليها أمر بكل الشوارع الرئيسية بمدينة أبو كبير ، هذه المدينة التي أنتمي  إليها لكني لا  أفهمها ، فهيأتها تشبه هيئة ساكنيها ، لا تفهم من الوهلة الأولى فهي تخبئ لك شيئاً ما ولا تعرفه ، فأنا لم أفهم أي شخص من هذه المدينة

 

فهم داكنين كهيئة البيوت ، ولكن ريفها جميل كل [ العزب ] ــ قرى صغيرة كانت من قبل مملوكة لأشخاص ــ والقرى مليئة بالليمون والبرتقال والنخيل والبيوت الطين الملونة بالجير الأحمر والأخضر ولها شبابيك حديد تطل على الغيطان والترع وأبراج الحمام ، وأيضاً فإن نسائها جميلات طيبات ترتاح النفس إليهن سريعاً ، ولا يخفين عنك شيئاً ، تتحدث إليهن كأنهن بحور صافية دافئة وتشعر معهن بأنهن يخفن عليك ، كل يوم أمر بالترب لكي أدخل المدرسة التجارية بنين التي أعمل بها مدرساً للغة الفرنسية ، وأقرأ كل يوم يافطة مكتوب عليها في مدخل المدافن ( السلام عليكم أهل الديار……………) ، وآية قرآنية على المقام الذي تبدأ به التربة " وقد خاب من افترى " صدق الله العظيم   ، وأرى القبور متغيرة  وخاصة يوم الخميس وكأنها مبتهجة ، فالترب

تمتلئ بالنساء والبنات والأطفال ، يذهبون جميعاً لزيارة أحبائهم وأقاربهم ويطلعون عليهم [ الخمسان ] ــ ثاني وثالث خميس بعد يوم الوفاة ــ [بالسبتة] ــ نوع من السلال ــ  البيضاء المغطاة بالبشاكير الملونة والمليئة بالبرتقال والقرص والتمر والعيش الطري المرحرح .

 

 

[4]

لم أكن أعلم أن هذا الجزء جميلاً إلى هذا الحد ، مع أنني رأيت نساء كثيرات وهن يتبولن خلف الدور ويقمن مسرعات ، يرفعن سراويلهن وينظرن في كل اتجاه خشية أن يراهن أحد ، رأيتهن في الصباح الباكر يتبولن أمام الدور وفي الشوارع وغيطان الليمون ، كنت صغيراً لم أتجاوز بعد التاسعة من العمر ، واضعاً يدي على الباب الخشبي الأخضر الكبير في الدار الطين ذات الأوض الكثيرة والتي يسكن كل

واحدة منها امرأة من نساء دار خالي [ الحاج أحمد ] ، حينما أوقعت [ فاطمة  محمد ] في وسط الدار " هانم الغريبة " بعد أن خلعت قرطها المطرزة بالخرز  فانفرط شعرها الأسود الطويل على ظهرها ، اهتزت وتدحرجت على الأرض وفوقها فاطمة محمد ، لم تكن ترتدي لباس فظهر من بين ساقيها البيضاوتين جزء أسمر شديد السمرة في منتصف ساقيها وأسفل دائرة بطنها المستديرة ، والتي طالما حملت وولدت من هذا الجزء وأمعنت النظر في هذا الجزء ، كانت ساقيها جميلتين غاية في البياض والجمال ، سمعت [ هانم الغريبة ] تعايرها بالكنبة ولم أكن أعرف معناها إلا عندما كنت أنا وأخي نمشي مع أخواتي البنات وبنت خالي [ اعتماد ] ونحن ذاهبين إلى مولد [ الشيخ غنيم ] في [ أبو ياسين ] ، عندما قلن لبعضهن في خجل شديد وحمرة تعلو وجناتهن الصغيرة بأن حماة فاطمة محمد  [حميدة محمود ] وهانم الغريبة أخرجن من تحت الكنبة بعد رفع كسوتها [ كمال أحمد]  وسط صيحاتهن والخجل الشديد الذي ظهر على فاطمة محمد ، فابتعدت بصدرها العريان  وثدييها الكبيرين عنهن ، تنظر من

الشباك الحديد ناحية شجر الليمون ودار ابن عم زوجها – احمد محمد الصغير – ومن وقتها والنسوة يسررن لبعضهن بهذه الحكاية أثناء جلساتهن تحت دكر التوت الكبير أو في وسط الدور وتخجل البنات الصغيرة عندما يسمعن كلامهن ، وقد اختفى على أثر هذه الواقعة [ كمال احمد ] ويقال أنه ذهب إلى بور سعيد ليعمل هناك حارس على شركة وبعد ذلك عاد عامل في مسجد البلدة .

 

أنا وأخي الصغير [ عبد المنعم ] لم نفارق بعض إلا عندما أدخل الفصل الطين الذي يطل على شارع [ المجايدة ]  ويدخل هو الفصل الآخر الذي يطل على شارع آخر ، بعد الظهر نلعب مع مجموعة أخرى من الأولاد [ السيد ابن محمد أبو أحمد وأخوه سمير  ] اللذان كانا يسببان لنا مشاكل كثيرة تصل إلى أمي وأخي الكبير الذي لا نراه إلا في إجازات الجيش .

كنا لا نأكل شيئاً من الدار ، كل شئ نأكله كان من الخارج ، المنجة والبلح والذرة الخضراء التي نشويها ونأكلها وأيضاً العنب والجوافة ، كانت حياتنا كلها هكذا ، عندما كان الشيخ الذي يحي ليلة مولد الشيخ غنيم يحكي في قصته على الناس ويصلي ويوحد  ونحن ننام على القبورة ــ المقابرــ في تربة أبو ياسين بعد أكل البطيخ الذي نسرقه من الباعة في المولد ونفتحه على القبورة ونأكله ، كنا لا نفكر إلا في الرجوع في آخر الليل وسط الأراضي التي لا يوجد بها أي بصيص نور إلا ضوء القمر الصغير الأبيض وصوت الشيخ [ الشوبكي ] من بعيد وهو يكمل الجزء الثاني من قصته على الرجال الذين يجلسون على الحصير ، يلتفون حول [ الجوزة ــ النارجيلة ــ وشوالي ] النار والنساء على السطوح وأمام البيوت  والبنات في ظلمة القبور وآخر التربة بجوار الغيطان مع الفتية أحبائهن ، من [ دور ] ــ بيوت ــ أبو ياسين إلى دور [ أبو عمرو ] لا يقطع هذه المسافة إلا الترعة التي لا تظهر مياهها من الأشجار التي عليها وطريق الليمون الطويل ، والجنية التي تنتظرنا على الكوبري الأسمنت وبجوارها جرّة بيضاء تملأها بالمياه وتطلب

من أحدنا أن يرفعها علي رأسها ، أو عفريت [ أبو عكاشة ] الذي لا يظهر إلا في الليل تحت نخلة [ أبو شاهين ] والذي وقع من عليها من  مسافة أكثر من خمسة عشر متراً ومن وقتها وهو ما يزال يصرخ طوال الليل بنفس المكان ، والديب الذي يقف عند الثلاث نخلات الأخوات في جنينة   [محمد على  ] كنا لا نفكر إلا في الرجوع ونحن نصف نائمين ولا نفتكر إلا جمل بسيطة من قصة الشيخ عن الطفل اليتيم وأيضاً مواويله والموسيقى التي تصاحبه وبنات أبو ياسين الجميلات اللائى يسهرن طوال الليل في الأراضي وعلى القبور يستمعن للشيخ ويطلقن الضحكات من صدورهن النافرة من لمس أيدي الأحباب .

 

آخر مرة رأيت أبي وهو راجع من الجامع الطين يوم العيد ، يحمل في يده ورق أبيض مكتوب عليه باللون الأحمر خطبة العيد – كان أبي يكتب خطبته باللون الأحمر – وكان يجلس أمام الدار يعلم الأولاد الكتابة ويحفظهن القرآن ويكتب الخطب ويعمل أحجبة لمن

يطلبها من النساء للحمل أو لفك الربط أو للحب ، كان أبي فقيراً جداً ، يحفظ القرآن كاملاً ويحفظ أحاديث كثيرة ودولابه ملئ بالكتب القديمة ذات الرائحة العتيقة والتي يأتي بها من مصر من مكتبة [ صبيح ] ، كان لا ينزل مصر إلا لشراء الكتب ، أمسك أبي بيدي من على باب الجامع وأنا أرتدي [ بيجامة ] جديدة للعيد وأمسك أخي باليد الأخرى وقبل رؤوسنا وأعطى لكل واحد منَّا قرشاً ، لا زلت أتذكره في هذا اليوم وهو يلبس جلاّبية كشمير قديمة مخططة بني وأسود وعلى رأسه عمامة بيضاء وفي قدمه ( بلغة بيضاء ) أيضاً .

الناس يوم العيد كلهم يذهبون لبعضهم ،كل العزبة تعيَّد على بعضها في هذا اليوم  يأكلون الترمس والكعك والبسكويت والفول السوداني ويشربون الشاي بعد شهر طويل من الصيام ، على الحصيرة البيضاء التي بها بعض الخطوط الحمراء والخضراء طبطب علينا أبي وتركنا ننصرف  ، كان أبي لا يبقى كثيراً بيننا فكان دائماً يذهب إلى بلدته [ شرشيمة ] التابعة لمركز [ ههيا ] فاخوته هناك وكان يقيم في

غرفة بهذه العزبة الصغيرة تطل على بيوت اخوته وأقاربه ، يملأها بالكتب والأقلمة البوص البيضاء التي يكتب بها والحبر الأحمر الذي لا يكتب القرآن والأحجبة والخطب إلا به .

كانت أمي تشكو دائماً من أبي ومن عدم إنفاقه على البيت ، كانت بينهم مشاكل كثيرة مما جعل أبي لا يأتِ إلا أيام الجمع للخطبة ، وأيام الأعياد ، كان ذلك في السنين الأخيرة ، كان أبي طيباً ولا يناديه أحد إلا بسيدنا الشيخ ، في أيامه الأخيرة تعرف على  أحد الأصدقاء الذي أقنعه بالزواج وفعلاً دفع له مهراً وذهب به الرجل لبيت أرملة ليزوجها له لكنه أكل الفلوس عليه فمرض أبي بعدها وأتى للبيت .

 

كان أبي لا يلبس إلا الملابس البيضاء   [ قميص وصديرى ] كان يحب أن يجلس على كرسي أمام الدار أو ينام باتجاه القبلة في المنضرة التابعة للبيت والتي تفتح على الخارج ، تحسنت العلاقة بينه

وبين أمي في أيامه الأخيرة  ، الآن أفكر فيما كان يشغل بال أبي في تلك الأيام البعيدة وهو الشيخ الذي يحبه الجميع ، أكابر الناس في العزبة والعزب المجاورة وحتى أفقرهم فهو ينتمي إليهم وهو الذي أنجب تسعة من أمي : أربع بنات وخمس أولاد ، لا أزال أذكر شاربه الذي يحلقه من الجانبين ولا يبقى منه إلا جزء صغير من كل ناحية بجانب الأنف واللحية التي كان يحلقها وشعره القصير الخشن الأبيض على أسود ، كان يقرأ القرآن بصوت مبحوح ويعلم الأولاد على الألواح الصفيح مقابل أجر بسيط يأخذه منهم ، كان يصاحب الفقراء ولأنه منهم كان فى أيام الحصاد يشتري أردب أو أردبين من القمح والذرة على ما كان يأتي منهم نخزنه في الصوامع الطينية التي توضع بجوار البيت أو أعلاه ، كل بيوت الفلاًحين تعرف بالصوامع فوقها وتخزن الذّرة البيضاء في كيزانها في الصوامع أيضاً وتخزن الجبنة البيضاء في الجرار فوق البيت وكانت هذه الصوامع تصنع بأيدي النساء والأخوة البنات ، عانى أبي كثيراً حتى سقَف البيت بخشب الكازوارين الأسود المنتشر في الأراضي الرملية ومن تحت الخشب

وضع السدد البوص ، جعل أحسن أوضة بالمنزل هي المنضرة التي في أول البيت وتفــتح على الخارج ، فقـــــد محّرها وأعطاها لونــاً أخضر وسقفها بالخشب الأبيض ( العروق ) واللوح مع الصالة الصغيرة التي أمامها و  محَّر ــ بيَّض ــ وجة  الدار ، جعل الشبابيك خضراء ، كان أبي يقرأ القرآن للفقراء ويصاحب الأغنياء لأنه يعلم مالا يعلمون ويعلم أبنائهم القراءة والكتابة وحفظ القرآن .

ما الذي كان يحمله لنا بقلبه ؟  هل هو حب أم كره أم الإثنين معاً ، أنا لا أتذكره كثيراً ولا أذكر أني كنت مشيت معه أو جلست بجواره أو أعطاني شيئاً إلا مرَّة واحدة وهو خارج يوم العيد من الجامع لكني أحبه وأذكر نومته الأخيرة في المنضرة التي سقفها باللوح الأبيض كان ينام بطوله تحت الشبابيك بجوار الحائط ووجهه ناحية غروب الشمس والناس تجلس بجواره ولمبة الجاز أسفل قدميه وهو يطلب أن يأكل المنجة       ــ المانجو ــ  ، ولما علم أخي الكبير ذهب إلى مصر وأحضرها له لكنه لم يأكلها ومات .

كنت في العاشرة عندما فتحت الأبواب وملأ الصوت المكان ولأنه لم يكن هناك ميكروفونات بالعزبة ولا بالعزب المجاورة فقد كان يعلن عن الجنازات بطبلة صغيرة يمسكها نفس الشخص الذي كان يقوم بدور المسحراتي في رمضان ، يمشي في شوارع العزبة والعزب المجاورة الأخرى أو يقف أمام الجامع ويضرب على الطبلة بصوت حزين مع الإعلان عن إسم المتوفى وعائلته ، قمت من النوم ورأيت المكـان الذي أمام البيت [ الحوش ] وقد فرش بالحصير الأبيض وملأته الوجوه ، الرجال يجلسون في ناحية اليمين والنساء في الناحية الأخرى ، نظرت في الوجوه ولم أتبين أحداً أعرفه إلا في النساء فقد عرفت خالتي [ إنصاف ] التي تجلس على أحد الحصر وهي تبكي ، الرجال لا يكفون عن الكلام وعن شخص أبي المتوفى وأن له أولاد صغار ، رأيت كثير من الناس يمسح على رؤوسنا أنا وأخي ويتصعّب ، أمي كانت مشغولة بتجهيز أبي ولوازم غسله وأختي [ عزيزة ] الأكثر حزناً فهي تبكي ولا ينقطع بكاؤها وصراخها ، أخي في الجيش أرسلوا إليه ولكنه لم يأت بعد ، وفاطمة أختي تحمـــــــل [ منال ] ابنة [ عزيزة ]

وتلاعبها ، [ ليلى وراوية ] أخواتي مشغولتان أيضا بإعداد الأشياء التي يحتاجها المتوفى ، لم أجد مكاناً أنا وأخي نجلس فيه إلا على عتبة الدار نرقب الحال ، جاء الشيخ [ عبد السلام ] مغسل الأموات وهو رجل في الخمسينات من العمر تقريباً ذو وجه جميل ، على رأسه عمامة بيضاء ويرتدي جلباب طويل سماوي ، يحلق شاربه ولحيته ، حواجبه كثيفة ، يمشي دائماً وفي يده شمسية بيضاء ، كان من تلامذة أبي وأحد أصدقائه ، دخل المنضرة التي في بداية الدار وأعد المغسلة وطلب الماء ، ودخلت أختي تساعده في خلع ملابس أبي ووضعه على المغسلة وتنظيف جسده ،وتكفينه ،رأيت الحركة قد زادت ، مياه دافئة تدخل وليفة وصابونة لها رائحة خاصة فهم يشترون هذه الأشياء مع الكفن من[ أبو كبير ] وعطر للمتوفى ، استمروا على هذه الحال أكثر من ساعة ، وصل أخي من الجيش بملابسه الميري التي غيرها بسرعة وارتدى جلبابه ،هو فوق العشرين عاماً بقليل ، جاء النعش أمام باب

المنضرة وعلت الأصوات ، أخرجوا أبي ملفوف بالكفن وفوقه قماش يشبه قماش القفاطين ــ زّي يلبسه الأغنياء في القرى ــ  أبيض مخطط بالأسود ومربوط عليه ، فتحوا باب النعش ووضعوا فيه أبي ، أذكر أنني بكيت أنا وأخي الصغير لتأثرنا بالمشهد وبالصوات ، خرجوا به ، ما زال هذا المشهد بتفاصيله الصغيرة في رأسي ، أتذكره دائما كلما أحضر جنازة أو أرى شخص يوضع في النعش ويقفل عليه الباب فأبكي كثيراً ، كان مشهداً طويلاً  أطول من يوم كامل ، خروجه من باب المنضرة وحمل النعش حتى الجامع ليصلوا عليه ، بنات عمي الذين أتوا من [شرشيمة ] وصلن في هذه اللحظة يصوطن ويلطمن وجوههم ويجرين خلف النعش ، أتذكر هذا المشهد والحمام يعلو وينزل على مقدمة النعش والناس خلفه ، مشوا به من بين جناين الليمون ومن سكة [ أبو سليم ]  - سكة يحوطها الليمون من الجانبين    حتى وصلوا به تربة [ أبو ياسين ] التي بها القبر الذي سيدفن فيه أبي ، لم أتذكر من هذا اليوم شئ إلا هذه التفاصيل ومسح بعض الأقارب بأيديهم على رأسي ورأس أخي ويقولون صغار

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية